العدل أساس الملك مقال خاص مؤسسة جولان الإعلامية

حين يتحدث الناس عن نهضة الأوطان، فإنهم غالباً يربطونها بالاقتصاد أو السياسة أو الدعم الخارجي، لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مراراً أن بداية النهوض الحقيقية تكون من العدل. فالعدل ليس مجرد قيمة أخلاقية أو شعار يُرفع في المناسبات، بل هو أساس استقرار الدول، وسبب نزول البركة والخير على الشعوب. ولهذا قال العلماء قديماً: العدل أساس الملك.

لقد عاشت سوريا سنوات طويلة تحت ألوان متعددة من الظلم؛ ظلم دخل البيوت، وظلم ملأ السجون، وظلم أرهق الناس في أرزاقهم وكراماتهم وحياتهم اليومية. حتى أصبح الخوف جزءاً من حياة السوريين، وأصبح كثير من الأبرياء يعيشون بين جدران السجون دون جرم سوى كلمة أو موقف أو حتى شبهة.

ومن أعظم صور الظلم التي عاشتها بلادنا تلك السجون التي تحولت إلى أماكن للرعب والمعاناة، كسجن سجن صيدنايا وسجن تدمر والأفرع الأمنية التي امتلأت بالمظلومين لعشرات السنين. هناك، لم يكن المسجونون فقط من الرجال، بل كان فيهم الشباب والمسنون، والنساء، وحتى الأطفال. عائلات كاملة عاشت سنوات وهي لا تعلم عن أبنائها شيئاً، وأمهات رحلن من الدنيا وقلوبهن معلقة بباب سجن أو خبر مفقود.

ولذلك، فإن من أعظم ما قامت به الحكومة الحالية هو فتح أبواب هذه السجون وإخراج أعداد كبيرة من المظلومين والمعتقلين. وهذه الخطوة، مهما حاول البعض التقليل من أثرها، تبقى من أكبر أبواب رفع الظلم التي شهدتها سوريا منذ سنوات طويلة. لأن تحرير الإنسان المظلوم هو بداية أي إصلاح حقيقي، ولأن كرامة الإنسان في الإسلام أعظم من كل الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.

لقد شعر الناس، لأول مرة منذ زمن طويل، أن هناك باباً فُتح نحو الرحمة والإنصاف. رأينا أمهات يلتقين بأبنائهن بعد سنوات، وأطفالاً يعودون إلى حضن عائلاتهم، وشيوخاً خرجوا من السجون وقد أثقلتهم السنون لكنهم ما زالوا يحمدون الله على الحرية. هذه المشاهد لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت رسائل عميقة بأن رفع الظلم هو الطريق الحقيقي لشفاء البلاد.

وفي الإسلام، لا يوجد عمل أعظم بعد التوحيد من إقامة العدل بين الناس. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ويقول سبحانه:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
فالظلم سبب للهلاك، والعدل سبب للحياة والطمأنينة.

وقال النبي ﷺ في الحديث القدسي:
«يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا».
ولهذا فإن أي خطوة تُرفع فيها المظالم عن الناس هي خطوة مباركة يُرجى بسببها الخير من الله تعالى.

ولعلّ ما رأيناه في بلادنا خلال الفترة الأخيرة يحمل دلالات عظيمة. فبعد سنوات طويلة من الجفاف والقحط، بدأت الأمطار تهطل بغزارة، وتفجرت الينابيع، وامتلأت الوديان بالمياه، وعادت الخضرة إلى الأرض بعد أن كانت السنوات الماضية سنوات جدب وقسوة. والمؤمن يرى في هذه المشاهد رسائل رحمة من الله، وكأن رفع جزء من الظلم عن الناس كان بداية لنزول الخير والبركة على البلاد.

فنحن نؤمن أن المعاصي والظلم من أسباب البلاء، كما أن العدل والرحمة من أسباب نزول الرزق والخير. قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
ولا شك أن من أعظم التقوى رفع الظلم عن عباد الله.

لكن الطريق ما زال يحتاج إلى استكمال، وما زال السوريون يأملون أن يستمر مشروع رفع الظلم حتى لا يبقى في بلادنا مظلوم واحد، ولا معتقل بغير حق، ولا إنسان مهدور الكرامة. فالشعوب لا تنهض بالقوة وحدها، بل تنهض حين تشعر بالعدل والأمان.

ومن هنا تأتي أهمية العدالة الانتقالية، التي تحتاجها سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام أو الثأر، بل تعني معالجة آثار السنوات الماضية بحكمة وعدل، عبر كشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة من ارتكب الجرائم ضمن إطار قانوني عادل، مع الحفاظ على وحدة المجتمع ومنع الفوضى.

إن الناس لا تريد الانتقام بقدر ما تريد أن تشعر أن زمن الظلم قد انتهى، وأن القانون أصبح فوق الجميع، وأن كرامة الإنسان لم تعد مستباحة. وهذا هو الأساس الحقيقي لأي استقرار دائم.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً بسبب الظلم، وليس من المبالغة القول إن كثيراً مما أصاب البلاد كان نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من القهر وكتم الأصوات وإهدار الحقوق. ولهذا فإن رفع الظلم اليوم ليس مجرد خطوة سياسية، بل هو إنقاذ حقيقي لمستقبل الوطن. فإذا حضر العدل حضرت معه البركة، وإذا رُفع الظلم تنفست البلاد من جديد. وما نراه اليوم من بشائر خير في سوريا نرجو أن يكون بداية مرحلة جديدة، تُبنى فيها البلاد على الرحمة والإنصاف وصيانة كرامة الإنسان.
فالأمم لا تبقى بالسلاح وحده، ولا بالشعارات، بل تبقى حين يسود فيها العدل.
ولهذا سيبقى قول الحكماء صادقاً عبر كل زمان:
العدل أساس الملك.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top