رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق

وصل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق، اليوم السبت، على رأس وفد وزاري يضم نائب رئيس الحكومة طارق متري وعدداً من الوزراء، في زيارة تُعدّ الأكثر حساسية منذ سقوط نظام الأسد المخلوع في كانون الأول 2024.
وتأتي الزيارة في سياق الانتقال من مرحلة إعادة فتح القنوات السياسية بين البلدين إلى محاولة معالجة الملفات العالقة التي راكمتها عقود من التداخل الأمني والسياسي، وما تبعها من تحولات إقليمية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة.
اللقاء بين سلام و السيد الرئيس أحمد الشرع لا يحمل طابعاً بروتوكولياً فحسب، بل يشكل اختباراً لقدرة الطرفين على ترجمة الإيجابية السياسية التي ظهرت خلال العام الماضي إلى خطوات عملية، في ظل إرث ثقيل من التعقيدات القانونية والأمنية والاقتصادية.
وتتصدر جدول الأعمال خمسة ملفات أساسية تمثل جوهر العلاقة الجديدة بين البلدين.

السجناء… عقدة قانونية وسياسية

يبرز ملف السجناء السوريين في لبنان كأحد أكثر الملفات حساسية. فبعد توقيع اتفاقية قضائية في شباط الماضي لنقل المحكومين السوريين، نُفّذت دفعة أولى شملت نحو 135 سجيناً، فيما بقيت الدفعة الثانية معلّقة بسبب تعقيدات تتصل بقضايا «الحق الشخصي» وعدم اكتمال بعض الملفات.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 240 سجيناً ينتظرون استكمال إجراءات نقلهم من أصل أكثر من 300 طلب.
ويأمل الجانب اللبناني أن يساهم هذا المسار في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون وإظهار قدرة الدولة على إدارة الملف ضمن إطار مؤسساتي واضح.

الحدود والتهريب… من الفوضى إلى التنظيم

يمتد خط الحدود بين البلدين لنحو 330 كيلومتراً، تتخلله عشرات المعابر غير الشرعية التي شكّلت لسنوات ممراً للتهريب والتنقل غير المنظم، بما في ذلك شبكات مرتبطة بـ ميليشيا «حزب الله».
وتسعى بيروت إلى تحويل التفاهمات الأمنية السابقة إلى إجراءات عملية تضبط الحدود وتحدّ من تهريب السلاح والبضائع، بالتوازي مع تنسيق الموقف في ما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، في ظل ضغوط أميركية وإسرائيلية على المسارين اللبناني والسوري.

حزب الله… ملف حاضر بلا إعلان

رغم عدم إدراجه رسمياً على جدول الأعمال، يحضر ملف ميليشيات «حزب الله» في خلفية الزيارة، خصوصاً مع استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وتزايدت المخاوف من استخدام بعض المعابر الحدودية لأغراض عسكرية، إضافة إلى تقارير عن اكتشاف أنفاق قرب الحدود.
وشهد معبر المصنع توتراً في الأسابيع الماضية بعد تهديدات إسرائيلية باستهدافه قبل تجنيبه القصف عبر اتصالات دبلوماسية.
ويتداخل هذا الملف مع ملف ضبط الحدود، في ظل الحاجة إلى منع أي استخدام غير شرعي للمعابر.

اللاجئون… الملف الأكثر إلحاحاً

يمثل ملف اللاجئين السوريين في لبنان العبء الأكبر على الحكومة اللبنانية، نظراً لتأثيره المباشر على الاقتصاد والخدمات والبنية الاجتماعية.
وتسعى بيروت إلى تسريع العودة الطوعية بالتنسيق مع دمشق، فيما يواصل الأمن العام اللبناني تنظيم عمليات العودة ضمن مقاربة تهدف إلى إخراج الملف من التجاذبات السياسية.
لكن وتيرة العودة تبقى محدودة بسبب تحديات تتعلق بالأمن والسكن وفرص العمل داخل سوريا.

الاقتصاد والطاقة… مصالح متبادلة وفرص مؤجلة

تبحث الزيارة إعادة تفعيل حركة التبادل التجاري وتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير، بما يشمل تسهيل مرور الشاحنات اللبنانية عبر سوريا نحو الخليج، في ظل الأزمة الاقتصادية اللبنانية التي حدّت من قدرته على التصدير.
كما يبرز ملف الطاقة، خصوصاً مشاريع استجرار الكهرباء والغاز عبر الأراضي السورية، ضمن ترتيبات إقليمية تشمل الأردن.
وترى دمشق في الانفتاح على لبنان فرصة لتنشيط اقتصادها وإعادة تفعيل الاتفاقيات الثنائية البالغ عددها 42 اتفاقية، معظمها يحتاج إلى مراجعة بعد التحولات التي شهدتها سوريا خلال العامين الماضيين.

طوال عقود، لم تكن العلاقة بين البلدين علاقة ندّية بين دولتين مستقلتين.
فمنذ دخول الجيش السوري السابق إلى لبنان عام 1976، تحولت دمشق إلى لاعب رئيسي في القرار اللبناني، واستمر النفوذ خلال عهدَي حافظ و المخلوع بشار الأسد، وصولاً إلى اغتيال رفيق الحريري عام 2005 الذي أدى إلى انسحاب قوات النظام البائد.
ومع اندلاع الثورة السورية وصعود ميليشيا «حزب الله»، بقيت العلاقة متشابكة سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
بعد سقوط نظام الأسد في 2024، فُتح الباب أمام صياغة علاقة جديدة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة.
وتأتي زيارة نواف سلام اليوم كمحطة مفصلية لاختبار هذا التحول، ومحاولة للانتقال من مرحلة التصريحات الإيجابية إلى مرحلة التنفيذ العملي عبر معالجة الملفات الخمسة التي تشكل أساس العلاقة المقبلة بين بيروت ودمشق.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top