قرية قصرين على الحافة الغربية للجولان السوري المحتل

تتربّع قرية قصرين على الحافة الغربية للجولان السوري المحتل، غرب وادي الزويتان وعبر مسيل العوينات، على ارتفاع يقارب 360 متراً عن سطح البحر، وعلى مسافة 22 كيلومتراً جنوب غرب مدينة القنيطرة.

كانت القرية قبل عام 1967 تضم نحو 500 نسمة من الفلاحين الذين اعتمدوا على زراعة الحبوب والبقول وتربية الأبقار والأغنام، وتشرب من مياه الينابيع المنتشرة في محيطها.

وقد شكّلت قصرين نموذجاً للقرى الجولانية الريفية المستقرة قبل أن تتعرض للتهجير الكامل وتدمير منازلها خلال الاحتلال، في سياق سياسة ممنهجة طالت معظم قرى الجولان.

تمتلك قصرين مكانة مركزية في تراث الجولان، إذ تُعدّ مركزه الجغرافي وأكبر تجمع سكاني قديم فيه، وتحتضن طبقات أثرية تمتد من العصور الحجرية الأولى إلى العصور العربية الإسلامية.

هذا الامتداد التاريخي جعلها من أهم المواقع الكلاسيكية في الجولان، ومقصداً للباحثين والرحالة منذ بدايات القرن التاسع عشر. فقد وثّقها عدد من أبرز الرحالة الأوروبيين، منهم زيتزون عام 1806، وبوركهارت عام 1810، وبوكنغام عام 1816، وأليفانت، الذين سجّلوا مشاهداتهم بدقة واعتبروا قصرين من أغنى مواقع الجولان بالأوابد الظاهرة.

تستمد القرية اسمها من وجود موقعين أثريين كبيرين كانا بمنزلة قصرين: الأول مبنى روماني واسع تكثر فيه الأقواس الحجرية المنحوتة والبوابات الضخمة ذات الزخارف النافرة، ويستند جزء من جدرانه إلى صفوف من الآجر.

أما الثاني فهو كنيسة رومانية قديمة ما تزال أعمدتها وتيجانها قائمة، وتنتشر على جدرانها كتابات ورسوم وزخارف تؤكد الطابع الكلاسيكي المتأخر للموقع. كما يضم الملحق الأثري بئراً ودرجاً وعدداً من العناصر المعمارية التي تعكس مستوى متقدماً من البناء في تلك الحقبة.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أنّ المنطقة المحيطة بقصرين تزخر بالرموز والنقوش التي تعود إلى العصور الكلاسيكية، إضافة إلى آثار من العصور البرونزية القديمة والوسيطة والمتأخرة.

هذا التنوع الزمني جعل قصرين مركزاً مهماً لفهم تاريخ الجولان وتطوره الحضاري، وواحدة من أكثر نقاطه غنى بالأوابد التي بقيت ظاهرة للعيان حتى منتصف القرن العشرين.

بعد احتلال الجولان، تحولت قصرين إلى محور لعمليات تنقيب واسعة نفذتها مؤسسات إسرائيلية حملت طابعاً أكاديمياً وثقافياً، بينما كان هدفها الحقيقي إعادة صياغة هوية الموقع عبر طمس الآثار العربية ونقش رموز عبرية على بعض الأوابد الحجرية.

وقد تزامنت هذه العمليات مع قرار هدم القرى الجولانية بعد حرب حزيران، ما أدى إلى إزالة البنية السكانية للمنطقة وفتح المجال أمام تنقيب مكثف في المواقع الأثرية، بدءاً من بانياس وصولاً إلى قصرين ومحيطها.

ورغم محاولات التغيير القسري، بقيت قصرين شاهداً على عمق التاريخ السوري في الجولان. فحجارتها الرومانية، وكنيستها القديمة، والنقوش التي وثّقها الرحالة قبل الاحتلال، كلها تشكّل وثيقة تراثية ثابتة تؤكد أنّ الجولان كان فضاءً حضارياً متنوعاً عبر آلاف السنين، وأنّ هويته لا يمكن محوها أو إعادة تشكيلها بقرارات سياسية أو عمليات تنقيب موجّهة.

قصرين اليوم ليست مجرد موقع أثري، بل ذاكرة حيّة لتراث الجولان، ومرآة لطبقات التاريخ التي تعاقبت على الهضبة، ودليل على أنّ الأرض تحتفظ بحقيقتها مهما طال الاحتلال.

وفي كل نقش باقٍ على حجارة قصرها القديم، ما يثبت أنّ الهوية السورية للجولان راسخة، وأنّ التاريخ لا يُعاد كتابته بالقوة والتضليل.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top