العدالة الانتقالية في العالم العربي انفوغرافك خاص مؤسسة جولان

تُعدّ العدالة الانتقالية أحد أبرز المفاهيم التي برزت في أدبيات العلوم السياسية والقانون الدولي مع نهاية القرن العشرين، بوصفها إطارًا لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المجتمعات الخارجة من النزاعات أو التحولات السياسية الكبرى، غير أن نقل هذا المفهوم من سياقه النظري إلى الواقع العملي، لا سيما في العالم العربي، يطرح جملة من الإشكاليات التي تتجاوز البعد القانوني لتطال البنية السياسية والاجتماعية للدولة.

في تعريفها العام، تشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تعتمدها الدول لمعالجة انتهاكات الماضي، بما يشمل المحاسبة الجنائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا.
غير أن هذا التعريف، رغم شموليته، يفترض ضمنيًا وجود حدٍّ أدنى من الإرادة السياسية والاستقرار المؤسسي، وهو ما يفتقر إليه كثير من السياقات العربية.

تُظهر التجارب المقارنة أن نجاح العدالة الانتقالية يرتبط بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار، ففي حالات عديدة يُنظر إلى المحاسبة على أنها تهديد مباشر للتوازنات السياسية القائمة، خاصة عندما تكون النخب الحاكمة ذاتها جزءًا من منظومة الانتهاكات السابقة.
من هنا.. تتحول العدالة الانتقالية من أداة لإعادة بناء الدولة إلى معضلة سياسية قد تعيق مسار الانتقال نفسه.

في تونس، على سبيل المثال، شكّلت تجربة هيئة الحقيقة والكرامة، محاولة متقدمة نسبيًا في السياق العربي، حيث سعت إلى توثيق الانتهاكات وكشف الحقيقة، غير أن هذه التجربة واجهت تحديات بنيوية، تمثلت في ضعف الإرادة السياسية، والانقسام الحزبي، ومحدودية القدرة على تنفيذ توصيات الهيئة، ما أدى إلى فجوة واضحة بين كشف الحقيقة وتحقيق العدالة الفعلية.

أما في العراق، فقد اتخذت العدالة الانتقالية مسارًا مختلفًا، ارتكز بشكل أساسي على المحاسبة والإقصاء السياسي، كما في سياسات اجتثاث البعث، إلا أن غياب التوازن بين العدالة والمصالحة أدى إلى تعميق الانقسامات المجتمعية، وتحويل العدالة إلى أداة ضمن الصراع السياسي، بدل أن تكون إطارًا لتجاوزه.

وفي الحالة السورية، تبدو إشكالية العدالة الانتقالية أكثر تعقيدًا، نظرًا لتداخل العوامل الداخلية والخارجية، وتعدد الأطراف الفاعلة، واستمرار النزاع لفترة طويلة، ففي سوريا، لا تزال شروط الانتقال السياسي غير متوفرة، ما يجعل الحديث عن تطبيق شامل للعدالة الانتقالية سابقًا لأوانه، ومع ذلك، برزت بعض المبادرات الدولية في مجال التوثيق والمساءلة، إلا أنها تبقى محدودة التأثير في ظل غياب إطار وطني جامع.

من الناحية النظرية، تقوم العدالة الانتقالية على أربعة أعمدة أساسية: الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، غير أن اختلال أي من هذه الأعمدة يؤدي إلى إضعاف العملية برمتها، ففي كثير من الحالات العربية، يتم التركيز على جانب دون آخر، أو يتم تبني مقاربة انتقائية، ما يفقد العدالة الانتقالية تماسكها وفعاليتها، علاوة على ذلك، تبرز إشكالية العلاقة بين العدالة والمصالحة، حيث يُنظر إليهما أحيانًا كخيارين متعارضين، في حين أن الأدبيات الحديثة تؤكد على تكاملهما، فالمصالحة المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون حد أدنى من العدالة، كما أن العدالة التي تتجاهل البعد المجتمعي قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع، وإن التحدي الرئيسي الذي يواجه العدالة الانتقالية في العالم العربي لا يكمن في غياب الأطر النظرية أو النماذج التطبيقية، بل في طبيعة السياق السياسي ذاته، فضعف المؤسسات، واستمرار الصراعات، وتداخل المصالح الداخلية والخارجية، كلها عوامل تحدّ من إمكانية تطبيق هذا المفهوم بشكل فعّال.

مما يعني أن مستقبل العدالة الانتقالية في المنطقة يظل مرهونًا بمدى تحقق شروط الانتقال السياسي الحقيقي، وتوافر إرادة سياسية جادة، قادرة على الموازنة بين متطلبات العدالة واستحقاقات الاستقرار، بعيدًا عن المقاربات الشكلية أو الانتقائية التي أثبتت محدودية أثرها في تجارب سابقة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top