في سوريا، لا يبدو ملف العقارات والوقف مجرد ملف قانوني أو إداري، بل شبكة واسعة من الوقائع المتداخلة التي تجمع بين السجل العقاري، والإجراءات القضائية، والتقديرات المالية، وشهادات مباشرة من تجار ومواطنين وموظفين سابقين وحاليين.
هذا التحقيق، الذي أعدّته مؤسسة جولان الإعلامية، يعتمد على شهادات ميدانية، ومراجعات قانونية، ومعطيات من أروقة القضاء والدوائر المالية، ليقدّم صورة أقرب إلى الواقع من زاوية من يعيشونه يومياً.
الأرشيف العثماني… طرح حاضر في الخطاب وغائب في التنفيذ
قال أحد القانونيين الذين راجعوا مديريات الأوقاف في دمشق لمؤسسة جولان الإعلامية إن الحديث عن “الاستعانة بالأرشيف العثماني” لتثبيت الملكيات الوقفية والعقارية طُرح إعلامياً أكثر من كونه مساراً تنفيذياً واضحاً.
وأضاف:
“عند المراجعة الرسمية، لم نجد آلية عمل واضحة أو إجراءات مطبقة فعلياً بهذا الخصوص، رغم الإشارة إليه في بعض التصريحات.”
وبحسب متابعين للملف، بقي السجل العقاري هو المرجع الفعلي المعتمد في إثبات الملكيات، دون إدخال منظم للأرشيف التاريخي ضمن إجراءات الحسم القضائي.
وتؤكد المعطيات أن مهمة وزارة الأوقاف الحفاظ على الأملاك الوقفية.
التوثيق العقاري… بين السجل الرسمي وروايات الواقع (سردية ميدانية)
تحدثت مؤسسة جولان الإعلامية مع السيدة إيمان شبيب المارديني التي قالت إن جدها منير شبيب أبو الطواقي كان يملك 500 دنم، وإن هناك قسماً من الأرض لبيت النقشبندي يصل حتى أرض الشيراتون، وهناك عائلات أخرى تملك أسهماً من أرض المعرض.
تضيف السيدة إيمان أنها عندما راجعت السجل العقاري حول الأرض أخبرها الموظف المسؤول أن أرضهم تصل حتى أرض كيوان، لكنها فوجئت بأن الأرض قد تم التبرع بها لرعي الحيوانات الهرمة والمريضة، وهذا التزوير حصل – بحسب قولها – في زمن نظام بشار الأسد .
وتضيف أن أعمامها وعماتها كانوا حتى وقت قريب يتقاضون أجراً رمزياً عن حصتهم في الأرض.
وتتابع: وبعد سقوط نظام الأسد، راجعت السيدة إيمان السجل العقاري لتجد أن النظام قام بإزالة أسماء الورثة وكل ما يثبت حقهم في ملكية الأرض، وحتى في وزارة الأوقاف لم تجد ما يثبت حقهم في الأرض.
وتضيف أنها فقدت أوراق الأرض في بيتها الذي تم الاستيلاء عليه زمن النظام بعد تهجير العائلة.
في قلب هذا الملف، تبرز مسألة التوثيق العقاري كأحد أكثر النقاط حساسية وتعقيداً. فبينما يشدد القانون على أن السجل العقاري هو المرجع النهائي والحاسم لإثبات الملكية، وأن أي طعن فيه لا يتم إلا عبر دعوى تزوير وفق الأصول، إلا أن الواقع داخل بعض النزاعات يبدو أكثر تشابكاً من النصوص.
الكشف الحسي وشهادة الجوار… جدل داخل المحاكم
أثارت بعض الإجراءات القضائية المتعلقة بالبيوع العقارية جدلاً قانونياً، خاصة عند استخدام الكشف الحسي في دعاوى بيع حصص شائعة صغيرة ضمن عقارات كبيرة غير مفرزة.
وقالت المحامية عهد قوجة لمؤسسة جولان الإعلامية إن بعض الإجراءات تطرح إشكاليات عملية، مشيرة إلى أن الملكية ثابتة بالسجل العقاري، وأن الطعن بها لا يكون إلا بالتزوير.
وأضافت أن الاعتماد على شهادة الجوار أو الكشوف الميدانية يفتح باباً واسعاً للإشكاليات القانونية.
وتضيف المحامية عهد قوجة لمؤسسة جولان الإعلامية:
“نتمنى على وزارة العدل المسارعة لإزالة اللغط الذي أثاره تعميمها رقم 18 تاريخ 19/4/2026 المتعلق بالإجراءات الواجب اتباعها في دعاوى البيوع العقارية، إذ لا معنى لإجراء الكشف الحسي عند بيع حصة سهمية شائعة وصغيرة جداً كسهم أو عدة أسهم من عقار شائع مساحته مئات الدونمات وغير مفرز رسمياً طالما أن المالك المشتاع يملك قانوناً بكل ذرة من ذرات العقار الشائع.”
وتتابع:
“لا معنى للتحقق من الجوار لأن الملكية تثبت بقيود السجل العقاري ولا يجوز قانوناً إثبات عكسها إلا بالطعن بالتزوير، ولا يجوز الاعتماد على شهادات الجوار في مواجهة سند رسمي.”
وأضافت لمؤسسة جولان الإعلامية أن بعض المحاكم تسجل نحو 60 دعوى تثبيت بيع يومياً موزعة على أربع محاكم بداية مدنية، ما يعني إجراء عدد كبير من الكشوفات يومياً.
وتساءلت:
“هل تستطيع أي محكمة في العالم أن تجري 15 كشفاً وتحقيقاً محلياً يومياً؟ ومتى ستعقد جلساتها؟ وكم سيستغرق البت بدعوى بسيطة إذا طُبق التعميم بحرفيته؟”
وختمت بالقول: إن حق الملكية مصان بالدستور، ويمكن لوزارة الداخلية إحصاء العقارات ووضع إشارات منع تصرف عليها دون المساس بالملكية.
ضغط متزايد على القضاء… عشرات الدعاوى يومياً
قالت مصادر قضائية لمؤسسة جولان الإعلامية إن بعض المحاكم المدنية تسجل يومياً عشرات دعاوى تثبيت البيع، في ظل ازدياد النزاعات العقارية.
وتشير المصادر إلى أن القضاة ودوائر التسجيل يواجهون ضغطاً كبيراً نتيجة الكشوف الحسية والتحقق الميداني وسماع الشهادات، ما يزيد من تعقيد الملفات.
وفي السياق ذاته، حذر التاجر عمر حوري لمؤسسة جولان الإعلامية من أن استمرار هذا النسق قد يؤدي إلى تراكم القضايا وإبطاء البت فيها، بما ينعكس على العدالة الناجزة.
التحقق من “الجهات المرتبطة بالنظام السابق”: إشكالية مفاهيم
قال متابعون قانونيون لمؤسسة جولان الإعلامية إن مصطلح “الجهات المرتبطة بالنظام السابق” لا يُعد مفهوماً قانونياً محدداً، بل عبارة فضفاضة تختلف دلالتها من جهة إلى أخرى.
ويحذر مختصون من أن استخدام مصطلحات غير منضبطة قانونياً قد يؤدي إلى تفاوت في التطبيق القضائي والإداري بين المناطق.
الوقف… ملك محبّس وإدارة لا ملكية
في الإطار القانوني، تُعرّف أملاك الوقف بأنها أموال محبّسة خُصصت للمنفعة العامة، ولا يجوز بيعها أو توريثها أو التصرف بها خارج الغاية المحددة لها.
ويقول السيد عمر حوري لمؤسسة جولان الإعلامية إن وزارة الأوقاف ليست مالكة للعقارات الوقفية، بل جهة إدارة وإشراف تتولى متابعة الاستثمار والحفاظ على شرط الواقف.
الإيجارات والقيمة الرائجة… إعادة تسعير السوق العقاري
قال السيد عمر حوري لمؤسسة جولان الإعلامية إن تطبيق “القيمة الرائجة” أدى إلى تغييرات كبيرة في بدلات الإيجار مقارنة بالعقود القديمة، ما خلق فجوة بين العقود التاريخية والواقع الاقتصادي.
ويعتبر مستأجرون أن هذا التحول تسبب بضغوط مالية إضافية على الأنشطة التجارية.
الفروغ… بين الاستثمار والحق المكتسب
يتمسك عدد من المستأجرين القدامى بما يُعرف بـ”الفروغ”، باعتباره قيمة مالية دُفعت سابقاً مقابل تأسيس النشاط التجاري وحق الاستمرار.
ويطالب هؤلاء بضرورة إدخال هذه القيمة ضمن أي إعادة تقييم لضمان عدم خسارة الاستثمار التراكمي.
شهادة مالية: إعادة تقييم تكليف ضريبي – خاص مؤسسة جولان الإعلامية
يروي أحد المكلفين ضريبياً لمؤسسة جولان الإعلامية أنه واجه تكليفاً مالياً مرتفعاً من الدوائر المالية لا يتناسب مع حجم نشاطه.
ويقول إنه بعد تقديم بيان بالمبيعات اليومية، تمت مراجعة التكليف وتخفيضه والعودة إلى تقديرات سنة سابقة (2023)، في ظل تراجع الأسواق خلال عامي 2025 و2026.
الواقع الاقتصادي… أسواق تحت الضغط
قال متابعون للواقع الاقتصادي لمؤسسة جولان الإعلامية إن الأسواق السورية تشهد تراجعاً في الحركة التجارية وضعفاً في الطلب، ما انعكس على المبيعات اليومية.
كما يشيرون إلى أن ضعف القوة الشرائية ساهم في زيادة الضغط على الالتزامات المالية والإيجارية والضريبية، في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة.
يظهر هذا الملف كمنظومة مترابطة لا يمكن اختزالها في نص قانوني منفرد أو إجراء إداري بعينه، بل في شبكة واسعة من التداخلات التي تشمل التوثيق العقاري، وآليات التقدير المالي، والإجراءات القضائية، إلى جانب الواقع الاقتصادي المتغير.
وتشير المعطيات إلى أن الإشكال لا يكمن في جانب واحد، بل في العلاقة بين هذه المسارات عند التطبيق العملي، حيث تتقاطع النصوص القانونية مع التقديرات الإدارية والظروف الواقعية.
وبين هذا التداخل، تبقى الفجوة بين النص والتطبيق هي السمة الأبرز، في ظل غياب مقاربة موحدة تحقق توازناً بين حماية الملكية، واستقرار السوق، وعدالة الإجراءات.
- جهان الخلف






