“حين تعجز الكلمات، تبدأ الموسيقى بالكلام”…عبارة تختصر مسار الموسيقار السوري مالك جندلي، الذي اختار أن يكتب حكاية بلاده على المدرج الموسيقي، لا في البيانات ولا في الشعارات.
منذ البدايات الأولى للثورة السورية، كان حضوره مختلفاً، لم يكتفِ بالتعبير المباشر، بل التقط صوت الشارع، واستعاد روحه، ليحوّله إلى بناء موسيقي قادر على العبور إلى جمهور لا يعرف اللغة، لكنه يفهم الإحساس.
أخذ مشروعه يتبلور تدريجيا، بوصفه أكثر من مجرد مسيرة فنية. صار أقرب إلى أرشيف موسيقي مفتوح، يوثق مراحل كاملة من التجربة السورية، ويعيد تقديمها ضمن قالب كلاسيكي رصين.
تظهر في أعماله بوضوح تلك القدرة على الاشتغال على الأفكار اللحنية المستمدة من التراث، من الموشحات والسماعيات، وإعادة صياغتها داخل بنية هارمونية معقدة، من دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى عنصر زخرفي.
بلغ هذا المسار ذروة جديدة مؤخراً، مع تقديم السيمفونية السورية الخامسة في كاتدرائية واشنطن الوطنية، في أمسية موسيقية استثنائية حملت دلالات تتجاوز العرض الفني بحد ذاته. الكاتدرائية، التي تُعد من أبرز الصروح الدينية والثقافية في الولايات المتحدة، وتستضيف عادة أعمال كبار المؤلفين الكلاسيكيين، احتضنت عملاً يحمل ذاكرة مختلفة، قادمة من الشرق، ومحمّلة بتجربة ثقيلة ومعقدة.
أقيم الحفل بحضور دبلوماسي وثقافي لافت، وبمشاركة جمهور متنوع، من الجالية العربية والسورية إلى مستمعين من خلفيات مختلفة، مع تغطية إعلامية واسعة وبث مباشر.
قاد الأوركسترا المايسترو جيمي آلبرتين، بمشاركة أوركسترا جامعة نورث كارولاينا، في مفارقة تحمل دلالة خاصة، إذ إن جندلي نفسه درس في هذه الجامعة، قبل أن يعود إليها مؤلفاً تُعزف أعماله في واحد من أهم الفضاءات الموسيقية في العالم.
السيمفونية الخامسة، المؤلفة من أربع حركات، تقوم على تنويع واضح في الأفكار اللحنية، حيث يستلهم جندلي مادته من التراث السوري، ويعيد توزيعها وتطويرها ضمن سياق أوركسترالي متماسك.
تتنقل الموسيقى بين إيقاعات متسارعة وأخرى هادئة، بين لحظات تأملية وأخرى مشحونة بالتوتر، في بناء يعكس خبرة تقنية عالية، ورؤية فنية واعية بطبيعة ما تقدمه.
في تلك الأمسية، لم يكن اللقاء بين موسيقى مالك جندلي وأعمال المدرسة الكلاسيكية الغربية تقاطعاً عابراً، بل بدا أقرب إلى حوار مفتوح بين ثقافتين. داخل فضاء اعتاد على أصوات لودفيغ فان بيتهوفن وغوستاف مالر ويوهان سيباستيان باخ، وجدت المقامات الشرقية مكانها، لا بوصفها غريبة، بل كجزء من نسيج موسيقي قادر على استيعابها.
ويواصل مالك جندلي مساره الموسيقي بهدوء وثبات، مستنداً إلى خبرته ورؤيته الخاصة. من بداياته المرتبطة بتجربة الشارع السوري، وصولاً إلى حضور أعماله في قاعات موسيقية كبرى حول العالم، تتشكل تجربته كمسار فني يعكس جانباً من الحكاية السورية، ويقدّمها ضمن إطار موسيقي يصل إلى جمهور واسع باختلاف خلفياته.






