صدرت في عام 2026 رواية “حين تنفست الحرية” للكاتب السوري محمود زعزوع، لتقدّم شهادة أدبية واقعية على مرحلة مفصلية من التاريخ السوري، حيث تمتزج السيرة الفردية بالوجع الجمعي لتوثيق تجربة إنسان وجد نفسه داخل آلة قمعية بين الطاعة القسرية وصوت الضمير، ليخوض صراعًا وجوديًا بين أن يكون جزءًا من الظلم أو أن يدفع ثمن الحرية.
الرواية تنتمي إلى أدب الحروب والسير الذاتية، وتستند إلى أسلوب سردي مكثف يقوم على لغة مباشرة صادقة نابضة بالتجربة، وتوظيف الوصف الحسي والمشاهد الحية، والسرد بضمير الغائب القريب الذي يمنح النص طابعًا شبه ذاتي، مع تصاعد درامي متدرج من المعاناة إلى الانفجار، ومزج بين الحوار الداخلي والخارجي لكشف الصراع النفسي، بحيث لا يكتفي الكاتب بالحكي بل ينقل القارئ إلى قلب الحدث ليعيش تفاصيل التجربة كما لو كان جزءًا منها.
تتبع الرواية مسار البطل منذ نشأته في بيئة بسيطة قبل دخوله الخدمة العسكرية، مرورًا بواقع الإذلال والتجريد من الإنسانية داخل المؤسسة العسكرية، وصولًا إلى اكتشاف التناقض بين الحقيقة وما يُعرض إعلاميًا من تزوير للواقع، ثم مشاهد الظلم بحق المدنيين وابتزازهم وسرقة ممتلكاتهم، لتتصاعد الأزمة الداخلية حتى تبرز فكرة الانشقاق كخيار أخلاقي لا مفر منه.
يقدّم النص مشاهد دقيقة لمساعدة البطل آخرين على الهروب عبر استغلال موقعه الإداري، ثم انكشاف أمره جزئيًا ووضعه تحت المراقبة، ما يزيد من حدة التوتر، قبل أن يتخذ القرار الحاسم بالهروب رغم المخاطر التي تهدد حياته وعائلته، ليخوض رحلة محفوفة بالخوف والحواجز والموت، تنتهي بالوصول إلى مناطق الحرية وبدء حياة جديدة مثقلة بالذكريات.
الرواية تحمل رسالة إنسانية واضحة، فهي ليست مجرد حكاية فردية بل شهادة على معنى الحرية وثمنها، وعلى صراع الضمير في وجه الطغيان، وعلى تحوّل الإنسان من أداة إلى صاحب موقف، وعلى قدرة الأمل على البقاء حتى في أشد الظروف ظلمة.
الكاتب محمود زعزوع، الذي انشق عن النظام منذ بداية الثورة، يمتلك خلفية معرفية وعملية انعكست في نصه، إذ يحمل إجازة في الإدارة والاقتصاد ويواصل دراسة دبلوم العلوم السياسية، كما عمل مدرّبًا للمعلمين عشر سنوات لدى تجمع دعاة الشام، ونشط في المجال الإنساني لعقد كامل، ما يمنحه خبرة واقعية عميقة جعلت من روايته وثيقة أدبية ـ إنسانية تسعى إلى حفظ الذاكرة السورية وتأكيد أن الحرية ليست مجرد شعار بل تجربة وجودية تُعاش وتُدفع أثمانها.
بهذا البناء السردي المتماسك، تقدّم رواية “حين تنفست الحرية” نصًا يزاوج بين الأدب والتوثيق، ويضع القارئ أمام شهادة حيّة على زمن القمع، لتبقى علامة فارقة في الأدب السوري المعاصر، وصرخة مكتوبة ضد الطغيان، ونافذة مفتوحة على معنى الحرية في سياقها الإنساني الأعمق.
- بلال محمد الشيخ






