لوحة كاريكاتير مولدة عبر الذكاء الاصطناعي خاص مؤسسة جولان

في أيامنا هذه، لم يعد الخبر حبيس غرف التحرير ولا خاضعاً لضوابط النشر المتعارف عليها. صار أي خبر اليوم يحتاج فقط إلى هاتف واحد وحساب مجهول لينطلق في فضاء بلا حدود نحو جمهور لا ينتظر التأكيد.

في لحظات، يمكن لخبر بلا مصدر ولا نية سوى جذب الانتباه أن يتحول إلى موضوع نقاش عام، تتداوله الصفحات ويصدّقه الناس. بهذا التحول، خرجت وسائل التواصل من دورها كناقل للمعلومات لتصبح طرفاً فاعلاً في المعادلة، يُشكّل الرأي العام ويؤثر في الوعي الجمعي. لم تعد تنقل الحدث فحسب، بل تصنعه أحياناً وتمنحه مصداقية تفرضه على الواقع نفسه.

في الآونة الأخيرة، شهدنا سيلاً من الأخبار الملفقة التي تم تداولها كحقائق. قصص تُروى بتفاصيل دقيقة، وتحليلات متتابعة، وسيناريوهات جاهزة تُبث وتُعاد حتى يظن الجمهور أنها مؤكدة. تحول الكذب إلى ما يشبه الحقيقة، حتى إن تكذيبه لاحقاً يبدو وكأنه طعن في الأفكار المترسخة في وعي الجماهير.

في هذا العالم الافتراضي الجديد، لا أحد يسأل: من قال؟ وإنما المهم كم مرة قيل؟ ومع الوقت تحوّل التكرار إلى دليل، وكثرة التداول إلى برهان، وكأن الانتشار وحده كافٍ ليمنح الخبر شرعيته.

الخطر الحقيقي ليس الكذب الصريح المعرّى، وإنما الكذب المخبأ في شكل خبر محترف مُدعّم بصور قديمة أو عبارات من نوع “بحسب مصادر مطلعة” أو “وفقاً لما يتداوله المتابعون”، أو “أصدر مركز الأبحاث (س أو ع)”. هنا تصبح الشائعة اختباراً سياسياً يضع الحكومات والمؤسسات أمام خيارات صعبة: هل ترد وتنفي؟ هل تتجاهل؟ أم تصمت، فيُترجم الصمت كإقرار؟

كم من إشاعة عن تعديل وزاري أشعلت أسماءً ونقاشات قبل أن يُطرح القرار فعلياً؟ وكم خبر عن أزمة اقتصادية أربك السوق قبل أن يلوح أي خطر حقيقي؟ صار الرأي العام يتشكل أحياناً من احتمالات أكثر مما يتشكل من وقائع.

في بلادنا، نرى كيف تصنع المنصات الرقمية نجوماً في أيام قليلة، وكيف تهدم آخرين في لحظات. كل ذلك تحت عنوان “الرأي العام”. الحقيقة هنا لا تغيب، لكنها تؤجَّل. إلا أن المنصات لا تنتظر؛ من يسبق إلى النشر هو من يملك المبادرة، حتى لو كان مخطئاً. لهذا، لم تعد المعركة حول المعلومة فقط، بل حول توقيت إعلانها.

إدارة السياسة وحدها لم تعد كافية، فهناك ما هو أخطر، وهو إدارة الزمن. فالتأخير اليوم ثمنه فقدان المصداقية، والصمت لم يعد تحرياً للحقيقة، وإنما فراغاً يملؤه الآخرون بسرعة بما هو أكثر تشويقاً، وإن كان أقل صدقاً.

لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية، فهناك دوماً ميل لتصديق ما يلامس المخاوف أو يوافق الرغبات، والإعلام الرقمي، بتشابكه بين التحليل والتوقع، يغذي هذا الميل بوعي أو من دونه.

الخطر الحقيقي أن هذه المنصات لم تعد تكتفي بالتأثير في الرأي العام، بل باتت تشكّله وفق إيقاعها. الحقيقة لم تعد هي الهدف الأول، بل توقيت الوصول إليها. من ينشر أولاً هو من يرسم ملامح الوعي، ويؤطر ما سيُعتبر لاحقاً واقعاً.

وفي عالم كهذا، لم يعد انتشار الخبر دليلاً على صدقه، وإنما على قدرته على الهيمنة على النقاش العام وإبعاد الأنظار عمّا هو أهم وأعمق.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top