في أزقة سوق المناخلية، حيث تختلط أصوات الحرفة العتيقة بنبض الحياة اليومية، تتصاعد مخاوف مئات الحرفيين من فقدان مصدر رزقهم، بعد سلسلة إنذارات غير رسمية طالت عدداً من محال الحدادة، بذريعة “الإزعاج والضجيج”.
إنذارات بلا أوراق رسمية
بدأت القصة قبل نحو أسبوعين، حين تلقّى بعض الحدادين إنذارات أولية لإخراج معداتهم خارج المحال، تبعتها إنذارات ثانية، من دون أي تبليغ خطي رسمي.
وأكد الحرفيون، في حديثهم لـ مؤسسة جولان الإعلامية, أن جميع الإشعارات التي وصلت كانت شفهية فقط، دون أي أوراق رسمية أو تعهدات موقعة حتى الآن.
وفي شهادة ميدانية من داخل السوق، أوضح أحد الحرفيين أن “الإنذارات لم تكن رسمية، بل كلام شفهي يتم تبليغه للأصحاب دون أي مستندات”.
شكاوى محدودة من سكان جدد
تشير روايات الحرفيين إلى أن الشكاوى صدرت من عدد محدود جداً من السكان الجدد في إحدى البنايات، لا يتجاوزون “بيتين أو ثلاثة”، قدموا حديثاً للسكن في المنطقة.
ويؤكدون أن سكان البناية القدامى متعايشون منذ سنوات طويلة مع طبيعة العمل في السوق، ولم تُسجَّل اعتراضات مماثلة سابقاً.
وقال أحد الحرفيين لـ مؤسسة جولان الإعلامية:
“يلي صار إنه في ناس جدد سكنوا فوق المحلات وبلّشوا يشتكوا، بينما السكان القدامى متعودين على الوضع من زمان”.
طبيعة العمل وساعات الدوام
يوضح الحرفيون أن طبيعة العمل في السوق واضحة وثابتة منذ سنوات طويلة، حيث يبدأ الدوام بين الساعة 9 و9:30 صباحاً، وينتهي عند الخامسة مساءً، وهو نظام شبه موحد داخل السوق.
وقال السيد وليد زريق:
“المحلات بتفتح 9 أو 9 ونص، وبتسكر الساعة 5، هذا دوامنا الطبيعي”.
لكن أحياناً، بحسب روايتهم، تمتد ساعات العمل خارج هذا الإطار بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم، وعلى رأسها انقطاع الكهرباء.
وأوضح أحد الحرفيين:
“أوقات الكهرباء ما بتيجي إلا متأخرة، ممكن الساعة 5، والواحد يكون ناطر طول النهار، ولما تجي بيضطر يشتغل بالليل ليكمل شغله”.
كما أشار إلى ارتفاع كلفة بدائل الكهرباء:
“في أمبيرات بس غالية، بتوصل لـ 15 ألف للكيلو، يعني تكلفة كبيرة وما بتترك ربح تقريباً”.
“لا آلات صناعية.. بل أدوات يدوية”
ينفي الحرفيون بشكل قاطع استخدام أي آلات صناعية ثقيلة، مؤكدين أن ما يُتداول حول “المكابس” غير دقيق.
وقال السيد نذير مارديني وهو أحد الحرفيين في حديثه لـ مؤسسة جولان الإعلامية:
“الماكينة اللي عم يحكوا عنها هي طعّاجة يدوية، ما فيها موتور ولا كهرباء ولا صوت”.
وأضاف:
“ما عنا مكابس نهائياً، المكابس بتكون بالمعامل والمناطق الصناعية، نحن شغلنا كله يدوي وتفصيل بسيط”.
وأشار إلى أن ما يحدث هو “سوء فهم لطبيعة العمل”، موضحاً:
“في ناس عم تحاول تطلعنا من المكان، فعم يدوروا على أي حجة ويقولوا إزعاج، مع إنه شغلنا ما فيه إزعاج فعلي”.
ملكية وامتداد تاريخي
ويؤكد الحرفيون أن المنطقة ذات طابع حرفي وتجاري قديم، وليست حديثة النشأة، إذ تمتد فيها المهنة لعقود طويلة، وبعض الورش تعمل منذ أكثر من 40 عاماً في الموقع ذاته.
وقال نذير مارديني:
“نحن هون من مئات السنين، مو شي جديد، وأنا شخصياً صارلي أكثر من أربعين سنة بنفس المحل”.
خلاف يتجاوز “الضجيج”
تشير شهادات الحرفيين إلى أن الخلاف لا يقتصر على موضوع الإزعاج، بل يرتبط بتحولات عمرانية في المنطقة، ومحاولات تغيير طبيعتها من حرفية إلى سكنية.
وقال أحدهم لـ مؤسسة جولان الإعلامية:
“الموضوع مو بس صوت، الموضوع إنهم بدهم يحولوا المنطقة لسكني، ويطلعوا الحرفيين منها تدريجياً”.
300 محل ومصدر رزق لآلاف
يضم السوق نحو 300 محل، تعيل مئات العائلات، إضافة إلى عمال ومهن مرتبطة مثل النقل والتوزيع، ما يعني أن نحو 1500 إلى 2000 شخص يعتمدون على هذا النشاط.
ويقول الحرفيون إن أي إجراء بالإخلاء أو التضييق سيؤدي إلى خسائر واسعة تطال منظومة اقتصادية كاملة.
تحركات رسمية وطلب تدخل
وفي ظل تصاعد التوتر، يؤكد الحرفيون أنهم تقدموا بشكوى رسمية، ويسعون للقاء مسؤولين، بينهم محافظ المدينة، لعرض تفاصيل القضية.
وقال أحدهم:
“قدمنا شكوى وعم نحاول نوصل صوتنا للمحافظ والمسؤولين، لأن الموضوع قطع أرزاق لمئات العائلات”.
وأضاف:
“نحن ما نرفض التنظيم، بس نرفض الإخلاء، لأنه بيهدم حياة كاملة”.
مطالب الحرفيين
يطالب أصحاب المحال بإعادة النظر في الشكاوى، والتأكيد على خصوصية العمل الحرفي داخل سوق تاريخي، مع إيجاد حلول تنظيمية تراعي حقوق السكان والحرفيين معاً.
وفي ظل غياب قرار رسمي واضح حتى الآن، يبقى سوق المناخلية أمام اختبار صعب بين الحفاظ على هويته الحرفية أو مواجهة تغييرات قد تعيد رسم ملامحه بالكامل.
تبدو قضية سوق المناخلية أكبر بكثير من مسألة ضجيج أو ساعات عمل، فهي تمسّ حياة كاملة وذاكرة مكان ظلّ حاضراً في قلب دمشق لعقود طويلة.
هذا السوق الذي تمتد جذوره لأكثر من مئة عام، صار جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الحية، حيث تتوارث العائلات المهنة جيلاً بعد جيل، وتبقى أدواتهم شاهدة على تاريخ طويل من العمل والإنتاج.
ومن هنا، يوجّه الحرفيون رسالة واضحة للجهات المعنية، بأن هذه الأسواق ليست مساحة قابلة للإزاحة أو الإغلاق، بل تراث حيّ يجب الحفاظ عليه، تماماً كما تُحفظ المعالم القديمة والذاكرة العمرانية للمدينة.
فبدلاً من دفع أصحاب المحال إلى المغادرة، يرى الحرفيون أن الواجب اليوم هو دعم هذه الحرف وتثبيتها وتنظيمها بطريقة تحمي حق الجميع، وتحافظ في الوقت نفسه على روح المكان.
كما يؤكدون أن هذه الأسواق يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية، ومقصد للزوار والسياح الذين يبحثون عن دمشق كما هي، مدينة نابضة بالحرفة والتاريخ، لا نسخة منزوعة من صوتها ورائحتها وملامحها القديمة.
إن الحفاظ على سوق المناخلية اليوم هو حفاظ على مهنة متجذّرة في الذاكرة، وحماية لجزء من روح المدينة نفسها، وإرث لا يمكن تعويضه إذا ما ضاع.
- بثينة الخليل - جهان الخلف






