عين فيت.. قرية الجولان التي بقي نبعها شاهداً على المكان

على المنحدر الغربي لهضبة الجولان، عاشت قرية عين فيت على الماء والزراعة، وتشرف من موقعها على سهل الحولة. اتكأت حياة سكانها على الينابيع والأراضي الزراعية وتربية المواشي، وتشكّل فيها مجتمع ريفي له عاداته ومدرسته وحرفه، قبل أن يغيّر الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 ملامح المكان ويهجّر سكانه.

تقع عين فيت إلى الغرب من بلدة مسعدة، وعلى بعد نحو 23 كيلومتراً شمال غربي مدينة القنيطرة، وترتفع قرابة 550 متراً عن سطح البحر. ويمر خط أنابيب النفط «تابلاين» إلى غربها، فيما تحيط بها مجموعة من التلال والمواقع المعروفة في المنطقة.

ويرتبط اسم القرية بالماء ارتباطاً وثيقاً. فإلى جانب نبع عين فيت، الذي حملت القرية اسمه، عُرفت المنطقة بعدد من الينابيع، أبرزها عين الزرقاء وعين الصفرا وعين الخنازير. وكانت هذه الينابيع مصدراً لمياه الشرب، وسقاية المواشي، وري الأراضي الزراعية.

وتختلف الروايات حول أصل تسمية «عين فيت». فبعض المصادر يردّ الاسم إلى الآرامية، بمعنى «العين البهية الجميلة»، فيما تربطه روايات أخرى بالسريانية وبجمال العين ونبعها. وبين اختلاف الروايات في التفسير اللغوي، ظل الماء عنصراً أساسياً في هوية المكان وحياة سكانه.

ووصف الباحث والمؤرخ أحمد وصفي زكريا قرية عين فيت في كتابه «القرى والبلدات في جنوب بلاد الشام»، خلال حديثه عن قرى المنطقة في خمسينيات القرن الماضي، مقدماً صورة عن طبيعتها وحياتها الاجتماعية والاقتصادية. وأشار إلى جمال موقعها وطبيعتها ومناخها المعتدل، وإلى أن بيوتها كانت مبنية من الحجر والطين والخشب، فيما كانت طرقاتها تتأثر خلال الشتاء بكثرة الأمطار وانحدار المنطقة.

وكانت الزراعة المورد الأساسي لسكان عين فيت. فالأراضي البعلية كانت تنتج الحبوب والبقول، بينما أتاحت مياه الينابيع زراعة الخضراوات والأشجار المثمرة، ومنها الزيتون والتفاح والتين والحمضيات. كما عُرفت القرية بزراعة التبغ، واعتمدت عائلات كثيرة على تربية الأبقار والأغنام، وما توفره من الحليب ومشتقاته.

ولم تقتصر حياة القرية على الزراعة وتربية المواشي. فقد عرفت عين فيت مدرسة للبنين وأخرى للبنات، وأشار أحمد وصفي زكريا إلى إقبال الأهالي على التعليم ووجود عدد من المتعلمين الذين خرجوا من القرية. كما كانت المضافات والمجالس والأعياد والمزارات جزءاً من الحياة الاجتماعية، إلى جانب عدد من الحرف المرتبطة باحتياجات السكان، مثل صناعة الأدوات الزراعية والسلال، وغزل الصوف، وصناعة الألبان والأجبان.

وتكشف المعطيات الأثرية التي وثقها الدكتور تيسير الحلبي، ابن مجدل شمس في الجولان، أن تاريخ الاستقرار في المنطقة يعود إلى فترات أقدم من نشأة القرية الحديثة. فقد عُثر على بقايا فخارية في الجهة الغربية من القرية، بالقرب من «عين أم حسون»، تشير، وفق هذه المعطيات، إلى وجود استقرار يعود إلى فترة تمتد بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الخامس الميلادي.

كما عُثر في القسم الجنوبي من القرية، الذي يمثل نواتها، على بقايا فخارية تعود إلى الفترتين المملوكية والعثمانية. وتشير المادة الأثرية المنشورة إلى أن بعض الفخار العثماني كان مصدره، على ما يبدو، قرية راشيا الفخار في لبنان.

وتضم المنطقة المحيطة بعين فيت عدداً من المواقع التي ارتبطت بذاكرة المكان، من كهوف ومغارات ومزارات، إضافة إلى قربها من مواقع تاريخية بارزة في الجولان، بينها قلعة النمرود، المعروفة أيضاً بقلعة الصبيبة.

وفي القرن التاسع عشر، وصف عدد من الرحالة الأوروبيين، بينهم سيتزن وغويران وشوماخر، عين فيت باعتبارها قرية صغيرة تتكون من عشرات البيوت، ويقطنها بضع مئات من السكان. ومع مرور العقود، اتسعت القرية وازداد عدد سكانها، حتى بلغ قبيل حرب حزيران عام 1967 نحو 2325 نسمة، وفق البيانات الواردة في المصادر الجغرافية المتعلقة بالجولان.

وكانت الحياة الاقتصادية في القرية تعتمد بصورة أساسية على الإنتاج الزراعي وتربية المواشي، فيما أتاحت طبيعة المنطقة ووفرة المياه تنوعاً في المحاصيل. وبرزت إلى جانب الحبوب والبقول زراعة الخضراوات والأشجار المثمرة، إضافة إلى التبغ، كما استفاد السكان من تربية الأبقار والأغنام لتأمين حاجاتهم من منتجات الألبان. لكن ذلك المجتمع الريفي لم يستمر طويلاً.

مع احتلال إسرائيل للجولان في حزيران عام 1967، هُجّر سكان عين فيت، ودُمّرت معظم مباني القرية، وانقطعت الحياة اليومية التي استمرت فيها لعقود. وتوثق صور تعود إلى عام 1967 وما بعده جانباً من التحول الذي أصاب المكان، من قرية مأهولة بالسكان إلى بيوت مهدمة ومساحات خلت من أهلها.

ورغم غياب سكانها، لم تختفِ عين فيت من الذاكرة. فقد احتفظ أبناؤها بصورها القديمة ووثائقها وروايات أهلها، وبقي النبع والحقول والمواقع المحيطة بها جزءاً من الحكايات التي تناقلتها العائلات جيلاً بعد آخر.

لهذا تبدو عين فيت اليوم أكثر من اسم لقرية مهجّرة في الجولان؛ فهي ذاكرة مكان تشكلت حول الماء، وعاشت على الزراعة، واحتفظت بطبقات من التاريخ تمتد من آثار الاستقرار القديم إلى الحياة الريفية التي سبقت عام 1967.

وبين صورة قديمة لبيت من الحجر والطين، وذكرى مدرسة أو مضافة، ونبع ما زال يحمل اسم القرية، تبقى عين فيت شاهدة على قرية غاب سكانها، لكن تفاصيل حياتها بقيت حاضرة في الذاكرة.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top