يتجه التعاون المالي بين سوريا وتركيا إلى مرحلة جديدة مع بحث إنشاء حساب مصرفي وتجاري مشترك بين المصرفين المركزيين في البلدين، بالتزامن مع دراسة إنهاء التعامل بالليرة التركية في مناطق الشمال السوري، في خطوة يرى مختصون أنها قد تسهم في تعزيز الثقة بالليرة السورية، وتطوير البنية المصرفية، وتهيئة بيئة مالية أكثر استقراراً تدعم جهود إعادة الإعمار.
ويرى خبراء اقتصاديون أن نجاح هذه الخطوة يرتبط بتوافر إطار مؤسساتي متكامل يضمن انتقالاً منظماً نحو توسيع استخدام الليرة السورية، إلى جانب تنسيق فني ومصرفي بين دمشق وأنقرة يراعي خصوصية الواقع الاقتصادي في مناطق الشمال.
وقال الباحث في مركز جسور للدراسات حسن الغرة إن إخراج الليرة التركية من التداول في مناطق الشمال السوري لا يمكن أن يتم بصورة منفردة، بل يتطلب تنسيقاً فنياً ولوجستياً بين الجانبين السوري والتركي، إضافة إلى إنشاء آليات مصرفية مشتركة لتنظيم العمليات المالية.
وأوضح الغرة أن عملية استبدال الليرة التركية تستوجب إعادة الكتلة النقدية المتداولة إلى الجانب التركي، مقابل توفير غطاء نقدي بالليرة السورية أو بعملات أخرى، بما يضمن استقرار عمليات التحويل ويحافظ على توازن السوق.
وأضاف أن حجم الكتلة النقدية المتداولة بالليرة التركية يفرض تشكيل لجان مشتركة للإشراف على مراحل تنفيذ العملية، محذراً من أن سحب العملة الأجنبية بصورة غير مدروسة قد يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق وظهور سوق موازية للتحويلات، الأمر الذي يستدعي تنفيذ عملية الاستبدال بشكل تدريجي ومنظم.
و اعتبر الباحث في مركز تركيا الجديدة علي أسمر أن إنشاء حساب مصرفي وتجاري مشترك بين المصرفين المركزيين السوري والتركي يمثل خطوة مهمة نحو إعادة الثقة بالليرة السورية وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، بما قد يسهم في الحد من الاعتماد على الدولار الأمريكي وزيادة الطلب على العملة الوطنية على المدى الطويل.
وأشار أسمر إلى أن تطوير التعاون المصرفي بين البلدين يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة التعامل البنكي، والتوسع في استخدام الخدمات المالية الإلكترونية والبطاقات المصرفية، إلى جانب تنفيذ برامج توعية وتدريب للمواطنين، بما يواكب تحديث البنية المصرفية.
وأضاف أن أهمية الحساب المشترك لا تقتصر على تنظيم التعاملات المالية، بل تمتد إلى دعم جهود إعادة الإعمار من خلال توفير قناة مصرفية مؤسساتية شفافة لتسهيل التحويلات المالية الخارجية، وربط القطاع المصرفي السوري بشبكة المدفوعات العالمية “سويفت”.
كما أوضح أن الربط بين المصرفين المركزيين في سوريا وتركيا قد يفتح المجال أمام توسيع التعاون مع المؤسسات المصرفية الإقليمية والدولية، ويمهد لدخول مصارف خاصة تركية أو أجنبية إلى السوق السورية، بما يعزز المنافسة ويحسن جودة الخدمات المصرفية.
وأكد أسمر أن مشروع إنشاء الحساب المشترك لا يزال في مرحلة الدراسة، ولم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، نظراً لاستكمال المتطلبات القانونية والفنية والإجرائية، التي قد تستغرق عدة أشهر قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق.
واعتمدت مناطق واسعة في شمال سوريا الليرة التركية خلال السنوات الماضية في جزء كبير من معاملاتها التجارية واليومية، نتيجة الظروف الاقتصادية وتقلبات سعر صرف الليرة السورية. ومع تنامي مؤشرات التقارب الاقتصادي بين دمشق وأنقرة، برزت مقترحات لإعادة تنظيم السياسة النقدية وتعزيز استخدام الليرة السورية ضمن إطار تعاون مصرفي رسمي بين البلدين، بما ينسجم مع توجهات الحكومة لإعادة توحيد المنظومة المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.
يرى مراقبون أن مشروع الحساب المصرفي المشترك، في حال إقراره وتنفيذه، قد يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز التكامل المالي بين سوريا وتركيا، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للتجارة والاستثمار، فضلاً عن توفير قنوات مالية أكثر تنظيماً وشفافية لدعم مشاريع إعادة الإعمار. وفي المقابل، يبقى نجاح هذه الخطوة مرتبطاً باستكمال الإصلاحات المصرفية، وتطوير البيئة التشريعية، وضمان تنفيذ أي انتقال في السياسة النقدية بصورة تدريجية تحافظ على استقرار الأسواق وتحد من المخاطر الاقتصادية.
- فريق التحرير






