سوريون يرفعون علم بلادهم في ساحة الأمويين بدمشق

لم تكن أصعب معارك السوريين هي فقط تلك التي دارت في ساحات القتال، بل تلك التي تجري اليوم في الوعي العام ومحاولات التأثير على مستقبل البلاد. فبعد سنوات طويلة من الصراع، أصبحت سورية أمام اختبار تاريخي: هل تنجح في بناء دولة القانون والمواطنة، أم تعود إلى دوامة الانقسام التي أنهكت المجتمع؟

في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة، تظهر محاولات من أطراف مختلفة لإبقاء المجتمع السوري أسير الخوف والشك. فبعض القوى المرتبطة بالنظام البائد تحاول، استثمار حالة عدم الاستقرار لإعادة إنتاج خطاب يقوم على التخويف من التغيير، والتشكيك بقدرة السوريين على بناء مستقبل جديد. وفي المقابل، تظهر أصوات متشددة محسوبة على الثورة تنحرف عن أهدافها عندما تستبدل مفهوم الحرية بمنطق الإقصاء، وتحول الاختلاف السياسي إلى اتهامات وعداء.
المشكلة أن الطرفين، رغم اختلافهما في الخطاب والشعارات، يلتقيان في النتيجة: إضعاف المجتمع، وتعطيل بناء الدولة، وإبقاء السوريين في حالة صراع دائم.

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع خرج من حرب طويلة هو أن يتحول المواطن إلى عدو في نظر مواطن آخر. وهذه هي البيئة التي تستفيد منها الخطابات المتطرفة؛ فهي لا تعيش إلا بوجود الخوف والكراهية والانقسام.

فالجهات التي تسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تراهن على ذاكرة الألم والجراح، وتحاول استغلال أي حادثة لإثبات أن الفوضى هي البديل الوحيد. وفي الجهة الأخرى، فإن الخطابات التي تدعو إلى الانتقام الجماعي أو تخوين شرائح واسعة من المجتمع لا تخدم بناء الدولة، بل تفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع.
إن سورية لا يمكن أن تُبنى بعقلية تصفية الحسابات، بل بعقلية العدالة والمؤسسات.

لقد كانت مطالب السوريين الأساسية مرتبطة بالحرية والكرامة والعدالة. وهذه المبادئ لا يمكن أن تتحقق إذا تحول الخطاب السياسي إلى أداة لإقصاء الآخرين أو الانتقام منهم.

فالفرق كبير بين محاسبة من ارتكب الجرائم وبين معاقبة جماعات كاملة بسبب مواقف بعض أفرادها. والفرق كبير بين الدفاع عن حقوق الضحايا وبين استخدام آلامهم لإشعال الكراهية.
الدولة الحديثة لا تقوم على ردود الأفعال، بل على القانون. والقانون وحده هو القادر على التمييز بين المذنب والبريء، وبين المسؤول عن الانتهاك ومن لا علاقة له به.
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الكلمة سلاحاً قد يكون تأثيره أحياناً أخطر من الرصاص. فخبر كاذب أو صورة خارج سياقها يمكن أن يشعل غضباً واسعاً، ويخلق أزمة بين مكونات المجتمع.
ولهذا فإن مواجهة التضليل أصبحت جزءاً أساسياً من حماية الأمن الوطني. فالمجتمع الذي يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والشائعة يصبح أكثر عرضة للتلاعب.

إن المسؤولية لا تقع فقط على المؤسسات، بل أيضاً على الإعلاميين والناشطين والمواطنين، لأن نشر معلومة غير مؤكدة قد يتحول إلى مساهمة مباشرة في زيادة الاحتقان.
إن مستقبل سورية لا يمكن أن يكون رهينة لمَن يريد إعادة إنتاج الماضي، ولا لمن يريد بناء مستقبل يقوم على إلغاء الآخرين. فالدولة التي يحتاجها السوريون هي دولة تتسع للجميع، وتحاسب من يثبت تورطه، وتحمي حقوق من لم يرتكب خطأ.
إن فلول أي مرحلة سياسية لا تستطيع إيقاف حركة التاريخ إذا امتلك المجتمع إرادة بناء دولة جديدة، كما أن أصحاب الخطابات المتشددة لا يستطيعون اختطاف أي مشروع وطني إذا تمسك الناس بالقانون والاعتدال.
اليوم، تحتاج سورية إلى رجال دولة أكثر من حاجتها إلى أصوات تصرخ في ميادين الكراهية. تحتاج إلى قضاة يطبقون القانون، وإعلاميين يبحثون عن الحقيقة، ومواطنين يرفضون أن يكونوا أدوات في صراعات الآخرين.
لقد أنهكت الحرب السوريين، والمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة بناء لا مرحلة انتقام، مرحلة عدالة لا فوضى، ومرحلة مواطنة لا انقسام.
فالمعركة الحقيقية ليست بين السوريين، بل بين مشروع يريد دولة مستقرة قائمة على القانون، ومشاريع تستفيد من الفوضى والانقسام. ومن سينتصر في النهاية هو المجتمع الذي يختار طريق العقل والعدالة والمستقبل.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top