أطفال سوريون يرفعون علم بلادهم

إحساس أيّة عائلة بخيانة المستقبل أو الوفاء له، يتحدد بانتساب أفرادها إلى مؤسسات تعليمية، بأشكالها المختلفة من مدارس ومعاهد وجامعات، إلى أساتذة مختصين، إلى شعب من حلقات خاصة للمتفوقين.

هذا ما يبدو طبيعياً في أي مجتمع قائم على وجه البسيطة، فالتعليم ركيزة أساسية مهمة للإبداع والاستكشاف، يسعى المهتمون إلى تطويره وعصرنته بما يناسب الأحداث.

لكن ماذا عن التعليم في الحالة السورية خارج أرضها؟

كيف تبدو ملامحه بعد أن غادر معظم الطلبة مقاعد الدراسة إلى بلاد لم يألفوها… إلى عباد يجهلون أنظمة مدارسهم وسبل تحقيق نجاحهم؟ ماذا عن طلبة يهاجرون، وينزحون، ويتقلبون بين البلاد، ويتشوقون إلى مقعد الدراسة الذي يحيط به عديد من الأسئلة لا يملكون أجوبتها؟

هنا… أستطيع سرد مشاهداتي الحية والحاضرة في ذهني من خلال عملي في مؤسسات تعليمية متنوعة، ليتبين لنا:

  • الطالب في كل مراحل الدراسة زبون للإدارة، وطفل مدلل لمعلم خاص.

  • التلقين هو اللحن الأزلي الذي اختزله المعلم، والذي يفرح به الطالب، إذ يبقى مسترخياً مرتاحاً جسداً وعقلاً.

  • التحفيظ الذي يُلحّ عليه المعلم على مبدأ: “التكرار يعلم الحمار”.

  • تخطي التكنولوجيا بشتى صورها، أو الوسائل الإيضاحية المتوفرة في كل مؤسسة، فقط من أجل “الزبون”، والتي يكلف المعلم نفسه بإلزام الطالب الاطلاع عليها كواجب بيتي.

في مواجهة مع الإدارة تنهال فوق رأسك عبارات جاهزة، مفصلة على قدر سؤالك، مجربة، وتدعوك إلى الصفنة الصفراء وبلع الريق أكثر من مرة:

  • ليس لدينا تمويل.

  • الأهالي بخلاء في دفع الأقساط (المهلكة) بالنسبة لأحد هارب من جحيم حرب لعينة.

  • نحن قلقون لما يحدث في بلدنا، وعليه لا مزاج لنا في ابتكار أو تحديث أو تصور أية آلية جديدة.

  • الأهالي متخلفون (ما بيليق لهم).

  • ما الحاجة إلى أخصائية اجتماعية أو نفسية؟ أنا أقوم بالواجب.

يسأل طالب معلمته عن أمر استعصى فهمه، فيكون الرد:

“يقطع عمرك على هيك سؤال!”

ومعلمة أخرى جالسة على كرسيها، خالعة نعلها، تقلب صفحات “فيسبوك”، وطلابها يتمرنون على تحسين الخط من خلال بيت شعر مكتوب على السبورة:

“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت.”

ومعلم لغة عربية حوّل أربع حصص من أصل خمس إلى تحفيظ القرآن، وطالبه لا يستطيع صوغ عبارة صحيحة من خمس كلمات فقط!

ماذا نريد الآن؟ وما هو العلاج؟ وكيف نجدد؟

كيف ننظف مؤسساتنا التعليمية من جرب الماضي؟

  • تغيير “سيستم” نظام التعليم القديم ومنهجيته البائدة، التي صارت تشبه اجتماع الحزب في الشعبة الثانية في الطابق الثالث في “الجميلية”.

على الإدارة أن تفهم أن المعلم يجب أن يكون مختصاً مؤهلاً، ليس عمله في الكتاب والورقة والواجب المنزلي بقدر ما هو إثارة العصف الذهني كي تتوالد الأسئلة، ويتم البحث والاستقصاء والهرولة نحو المعلومة والبحث عنها بحب.

يقول الفنان أندريه تاركوفسكي:

“لا أؤمن بإنتاج نسخ للوحات.”

لا نريد أسطوانة مكسورة تعلك نفسها ويمجها سامعوها.

نريد تعليماً يفتح نفس الطالب، ويثير شهوته، ويؤرق نومه، ويرغبه بساحة المدرسة، وبصفه، وبمعلمه، وبإدارته.

نريد معلماً موهوباً، ولو كان مكلفاً، فهو بحد ذاته ثروة فكرية للمستقبل.

نماذج

في فنلندا لا يدرس الطالب فقط، بل يدخل تجارب علمية تفاعلية، ويعزف، ويطبخ، ويسترخي، ويقضي وقتاً في مختبر، ويشعر أنه ملك له، ويتجول في صفه حافياً كي يحس أن الصف غرفة في منزله. ويستطيع بكل بساطة أن يقبل معلمته، وأن يراقصها، وأن يناديها باسمها دون ألقاب.

ولا يضطر إلى لباس رسمي، ففي كل أسبوع يعيش كرنفالاً يسعى منظموه إلى إثارة موضوع يخدم العلم والواقع والحياة، ليبدأ سيل من الأسئلة التي تلقى دهشة وترحيباً وصبراً، ثم إجابة.

وفي الخليج حضرت ورشة عمل لثلاثة أيام تحت عنوان:

“المدرسة المغناطيسية”

ثلاثة أيام يتحدث الخبراء عن أساليب استقطاب الطلاب وذويهم، وتوفير أقصى احتياجات التعلم.

وأقول لكم الحق: لم يبرع في الملاحظة والاستكشاف والإبداع والنقد سوى هذا السوري المهاجر.

هل تساءلنا عن سر نجاح طلبتنا في الخارج؟

لماذا يتصدر طلبتنا المتفوقون صفحات الجرائد؟ ويصافحون رجالات الدولة، ويتقاضون جوائز مادية، ويحظون بمناصب مهمة؟

يسأل سائل، مندهشاً ومستغرباً وغاضباً، حين رأى كادراً تدريسياً سويدياً يستقبل طلابه بالرقص والغناء والتصفيق والضحك والفرفشة، فيتساءل:

“ما هذا الانحطاط؟ إنه رجز من عمل الشيطان! كيف يجرؤون؟!”

أقول:

هؤلاء المقبلون على مدارسهم بشغف، الذين يقبلون أساتذتهم، أو يرتمون بأحضان مدرائهم بكل استرخاء وحب، والذين يصدقون في نقد إدارتهم أو الثناء عليها، من هؤلاء يكون الباحث، والمفكر، والعالم…

أما نحن، وللأسف الشديد، فتنهمر دموع أطفالنا وقت الذهاب إلى المدرسة، ويخترع طلابنا أوصافاً لمدرسيهم يندى لها جبين العلم، ويتعلمون لأنهم يؤمنون أن التعليم شهادة وراتب في نهاية المطاف.

هذا… ولم نتحدث بعد عن المناهج المضطربة، التي فقدت هوية التركيز والتعليل والبحث والحقيقة.

نحن ما زلنا نتغنى بـ “شروال غوار”.

يحضرني كيف تلقي معلمة اختارتها واسطة ما في قناة “السورية التعليمية” بصوتها الرخيم، والخالي من النبرة، والذي يجعلك تشعر أن صوت التهدئة بات عالياً قليلاً، إضافة إلى ضحالة المعلومة، وسوقها بأسلوب لا يبهر، ولا يمتع، ولا يصيب خلية بالانتباه.

على عاتق أحدهم تقع مسؤولية نسف هذه الأنظمة التقليدية، وعلى آخر المتابعة، وعلى آخر قياس النتائج.

زمن الحرب زمن مضطرب، مختل، مربك، يلد التناقض، ويعزز التفكك، لكنه زمن التجديد أيضاً، زمن المحاولة بالتجريب والخطأ، وبالتفاعل، وبالانفتاح، وبتقبل تجربة الآخرين واستيعابها، وبالخروج من فوهات الدخان التي تعمي العيون عما يجري في خارجها من محاولات للتقدم والتطور.

ويقول ونستون تشرشل:

“النجاح ليس النهاية، والفشل ليس قاتلاً، إنما الشجاعة في الاستمرار متقدماً هي ما يهم.”

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top