في سياق التحولات التي تشهدها الدولة السورية، لا يبرز تحدٍّ أكثر إلحاحاً من مسألة الثقة العامة، فالثقة بحسب أدبيات الإدارة العامة والعلوم السياسية ليست مجرد شعور عاطفي تجاه السلطة، بل هي الرصيد غير المنظور الذي تستند إليه شرعية المؤسسات وقدرتها على التنفيذ، واليوم وبينما تدخل المؤسسات السورية مرحلة جديدة، تبرز تساؤلات موضوعية حول مدى قدرة هذه الهياكل على ردم الفجوة التاريخية بين المواطن والمؤسسة، وتحويل الأطر الدستورية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.
جوهر الثقة ركيزة الاستقرار في الدول
في بناء المؤسسات الثقة العامة هي نتاج تراكمي لعلاقة طويلة الأمد بين المواطن والدولة، فلا تُبنى هذه الثقة من خلال الخطاب السياسي أو الوعود، بل تُشيد من خلال ممارسات إدارية وقانونية يومية، ويرى عدد من المختصين في علم الاجتماع السياسي أن المواطن يقيّم صدقية الدولة من خلال ثلاثة معايير رئيسية هي جودة الخدمة والشفافية والعدالة في تطبيق القانون، وعندما نتحدث عن استعادة الثقة في السياق السوري، فإننا نتحدث عن تحدٍ مزدوج، تحدي كسر جمود النمط الإداري القديم، وتحدي التجاوب مع تطلعات جيل جديد يطمح إلى دولة مؤسسات تتسم بالكفاءة والوضوح، إن الثقة في المؤسسات العامة لا تتطلب فقط وجود قوانين عصرية، بل تتطلب ثقافة مؤسسية تضع المواطن في مركز اهتمامها، حيث يتم التعامل معه كشريك في بناء الدولة وليس كمتلقٍ للخدمات فحسب.
المؤسسات المنتخبة ودور الرقابة التشريعية
يحتل مجلس الشعب دوراً محورياً في هذا المشهد باعتباره الممثل المباشر للإرادة الوطنية والجهة المناط بها العمل التشريعي والرقابي، قوة المجلس في المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الجلسات، بل بقدرته على ممارسة الرقابة الفاعلة على أداء السلطة التنفيذية، إن دور المؤسسات المنتخبة يمتد ليشمل تعزيز التواصل مع المجتمع، ففي الدول التي نجحت في ترميم علاقتها مع مواطنيها كان البرلمان هو جسر العبور الذي يوصل نبض الشارع إلى مراكز القرار، ومن خلال الصلاحيات التي يحددها الدستور يقع على عاتق هذه المؤسسات مسؤولية فتح نقاشات عامة حول الملفات التي تهم المواطن مثل إصلاح الإدارة العامة ومكافحة البيروقراطية ووضع أطر المساءلة، ويشير مراقبون إلى أن الشفافية في عرض الموازنات ومناقشة القوانين الاقتصادية وإتاحة الفرصة للمجتمع المدني لتقديم وجهات نظرهم، كلها عوامل تعزز الشعور بالمسؤولية التشاركية مما يقلص المسافة النفسية بين الناخب والمنتخب.
تحديات الطريق الواقع الاقتصادي والبيروقراطي
لا يمكن تحليل إمكانية استعادة الثقة بمعزل عن التحديات العملية، إذ تواجه المؤسسات السورية في المرحلة المقبلة واقعاً اقتصادياً يتسم بالضغوط التضخمية وضعف القدرة الشرائية، وهو ما يضع المؤسسات الخدمية تحت اختبار قاسٍ، وبحسب أدبيات الإدارة عندما تتراجع الحالة المعيشية تزداد حدة النقد الموجه للمؤسسات العامة، ويصبح تحقيق النتائج العملية هو المقياس الوحيد للمصداقية، وإلى جانب الاقتصاد تبرز التحديات الإدارية المتعلقة بتبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، إن المواطن الذي يضطر لقضاء أيام في المعاملات الإدارية سينظر دائماً للمؤسسة كعبء لا كعامل مساعد، لذا يُطرح تساؤل حول مدى امتلاك المؤسسات السورية للمرونة الكافية لإعادة هيكلة نفسها رقمياً وإدارياً، إن الاستجابة لاحتياجات المواطنين وسرعة التفاعل مع الأزمات هي المعيار الذي سيعتمد عليه المواطنون في تقييم مدى جديّة التغيير.
المساءلة والنتائج طريق طويل الأمد
من واقع رؤيتي لبناء المؤسسات، أرى أن نتائج العملية تمثل العامل الحاسم والوحيد لتغيير الانطباعات العامة، فلا يمكن للمؤسسات أن تستعيد الثقة في يوم وليلة، فهي عملية تراكمية، إن نجاح المؤسسات الانتقالية والجديدة مرهون بقدرتها على تطبيق مبدأ المساءلة المؤسسية، أي أن يكون هناك محاسبة واضحة لأي تقصير في تقديم الخدمة العامة، إن وضوح التشريعات وتطبيقاتها يسهم في رفع درجة التنبؤ لدى المواطن وهو عنصر أساسي للثقة، فعندما يعرف المواطن أن القانون يُطبق على الجميع وبشفافية يبدأ بالاطمئنان، إن استعادة الثقة تتطلب أيضاً اعترافاً مؤسسياً بوجود أخطاء وتوجهاً صريحاً لإصلاحها، فالمؤسسة التي تدعي الكمال في ظل واقع متغير تفقد مصداقيتها، بينما المؤسسة التي تبدي مرونة وتسمع للنقد البنّاء هي التي تكسب احترام المواطنين على المدى المتوسط والبعيد.
رؤية ختامية
في الختام يتضح أن استعادة الثقة بين السوريين ومؤسساتهم العامة ليست معادلة بسيطة بل هي ورشة عمل وطنية شاملة، إن تعزيز هذه الثقة يعتمد في المقام الأول على الأداء المؤسسي، واحترام القانون كمرجعية عليا للجميع، وتطوير الخدمات العامة لتواكب المعايير الحديثة، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية في صنع القرار، إن الطريق نحو استعادة الثقة يتطلب صبراً مؤسسياً ومجتمعياً في آن واحد، فلا يمكن تقديم ضمانات قطعية لنجاح المؤسسات في هذه المهمة، فالعوامل الخارجية والظروف الاقتصادية تلعب دوراً مؤثراً، إلا أن المبادرة بالعمل والالتزام بالشفافية ووضع المواطن في صلب الاهتمامات التشريعية يمثل خطوات لا غنى عنها لأي دولة تسعى لتعزيز استقرارها عبر مواطنيها.





