سوريون يرفعون علم بلادهم في ساحة الأمويين بدمشق

في مشهد تراجيدي يعيد إلى الأذهان غطرسة القوة والخطابات الجوفاء التي طالما شهدتها المنطقة العربية، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم تقمص أدوارِ من سبقه من الطغاة، واهِمًا أن اعتلاء القمم الجغرافية يمنحه صكوك البقاء السياسي والعسكري. فمن فوق قمة جبل الشيخ المحتل، التي تطل بشموخها على جغرافيا ممتدة وشاهدة على صراعات الوجود، أطلق نتنياهو سلسلة من التهديدات الموجهة صوب العاصمة السورية دمشق. يأتي هذا الاستعراض العسكري المكشوف في توقيت دقيق، يحاول فيه الرجل الهروب من أزماته الداخلية الوجودية، ومحاولة رسم صورة نصر وهمية على حساب دمشق وشعبها الذي لم يكد يفيق من آلام عقود من الاستبداد والحروب.لكن المفارقة التاريخية هنا تبدو صارخة، والذاكرة السورية القريبة لا تزال حية ونابضة بالتفاصيل. فقبل سنوات ليست بعيدة، وفي ذروة الحراك الشعبي السوري، كان الطاغية بشار الأسد يقف على قمة جبل قاسيون؛ ذلك الجبل الذي يحتضن العاصمة دمشق كحضن أموي عتيق، لكنه تحول في عهده إلى منصة للموت. من هناك، من فوق قاسيون، كان الأسد يهدد شعبه والعالم، متسلحًا بآلة القمع والبراميل المتفجرة، ومستنداً إلى ترسانة عسكرية وجهت فوهات بنادقها ومدافعها نحو صدور المدنيين العزل في أحياء دمشق وريفها. كان الأسد يؤمن واهماً أن حصنه الجبلي المشرف على المدينة سيحميه إلى الأبد، وأن تحصينات قاسيون العسكرية ستبقيه جاثماً فوق صدور السوريين. والنتيجة؟ تهاوت تلك الأوهام كقصور من رمل، وسقط النظام صاغراً أمام ضربات الإرادة الشعبية العارمة، ليرحل الطاغية ويبقى قاسيون شاهداً على انكساره وهزيمته النكراء.اليوم، يبدو أن نتنياهو لم يقرأ كتب التاريخ جيداً، أو أنه اختار عامداً تجاهل دروسه القاسية، ليكرر الخطيئة التاريخية ذاتها من فوق قمة جبل الشيخ. يظن المحتل الإسرائيلي أن تحصيناته الفولاذية، وقواعده الاستخباراتية المتطورة، وراداراته الحديثة المزروعة فوق تلك القمة الشامخة، قادرة على تغيير حتمية التاريخ أو كسر إرادة الشعوب. يقف نتنياهو ليرسل رسائل الوعيد لدمشق، وهو يعلم في قرارة نفسه، وقبل أي شخص آخر، أن كيانه يعيش أعمق أزماته التأسيسية والسياسية، وأن التهديد من فوق القمم ما هو إلا قناع زائف لإخفاء ملامح الخوف من مستقبل مجهول يعصف بحكومته وبالمشروع الاستعماري برمتّه.إن القراءة الواعية والعميقة للتاريخ الإنساني تؤكد حقيقة راسخة: “من يهدد من فوق القمم، ينتهي به المطاف هاربًا ومذعوراً في الوديان”. فالجبال والقمم المرتفعة، على مر العصور، لم تحمِ يوماً غازياً أو مستبداً يفتقر إلى شرعية الأرض والوجود، ولا تمنح القوة لمن لا يملك الحق والعدالة. وكما كان جبل قاسيون لقمة سائغة سقطت منها أوهام النظام الأسدي وتلاشت سطوته، فإن جبل الشيخ، برغم كل ما يحيط به العدو من هالة أمنية وعسكرية، سيكون الشاهد الحي على هروب نتنياهو وانكسار مشروعه المتغطرس. فالإرادة السورية الحرة التي استطاعت أن تسقط طاغية الداخل وتتحرر من قيده، هي ذاتها الإرادة الحية والعروبية التي تلفظ محتل الخارج وتأبى الركوع لإملاءاته.لقد عاشت دمشق آلاف السنين، وعاصرت الإمبراطوريات الكبرى؛ من الرومان إلى التتار، ومن الصليبيين إلى المستعمرين الفرنسيين، ودفنتهم جميعاً في ترابها وعادت لتنهض من تحت الرماد أشد قوة وعنفواناً. واليوم، تقف هذه المدينة العظيمة لتثبت مجدداً أن الطغاة والغزاة مجرد عابرين في كتابها التاريخي الطويل. سيهرب نتنياهو حتماً وتتلاشى تهديداته، تماماً كما هرب بشار الأسد وانطوت صفحة استبداده السوداء، وستسقط كل الأقنعة والتحصينات العسكرية أمام حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: الأرض تبقى لأصحابها الحقيقيين الذين سقوا ترابها بدمائهم وعرقهم عبر الأجيال.ويبقى الثابت الوحيد والأصيل في هذه المعادلة الإقليمية المعقدة هي دمشق وشعبها الصامد. هذا الشعب الذي واجه الموت والحصار والتهجير، ولكنه بقي متمسكاً بأرضه، رافضاً للاستبداد والاحتلال معاً. سيهرب نتنياهو من جبل الشيخ خائباً، وتنطوي صفحة غطرسته السياسية، بينما ستبقى دمشق شامخة، عصية على الانكسار، تحتضن ياسمينها وتفتح أبوابها السبعة لمستقبل حر، لتؤكد للعالم أجمع أن القمم لا تحمي الطغاة، وأن إرادة الشعوب الحرة هي الأقوى والأبقى دائماً.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top