في بلاد عاشت عقوداً تحت سلطة تتقن هندسة الكلمات أكثر من قول الحقيقة، بدا مشهد اعتذار ابن عن زلة والده حدثاً غير مألوف في الحياة السورية. ليس لأن الخطأ جديد، بل لأن الاعتراف به كان دائماً غائباً. نحن أبناء دولة تربّت على خطاب رسمي لا يعتذر، لا يخطئ، ولا يرى الناس إلا جمهوراً مطلوباً منه التصفيق أو الصمت. لذلك، حين خرج الدكتور حسين الشرع بتصريحٍ عفوي تضمّن إساءة لأهل “دير الزور”، ثم تبعه ردّ يحاول امتصاص الخطأ وتقديم اعتذار بسيط ومباشر، شعر كثيرون أنهم أمام مشهد مختلف، حتى لو كان ناقصاً أو مرتبكاً.
القضية هنا ليست الدفاع عن العبارة، فهي خاطئة ومؤذية وتحمل حكماً نمطياً لا يليق بمدينة دفعت من دمها وكرامتها ما يكفي لتكون فوق أي تصنيف متعالٍ أو مستهلك. لكن أهمية الحادثة أنها كشفت شيئاً أعمق من الجملة نفسها؛ كشفت كم أن السوريين متعطشون لرؤية سلطة تتصرف كبشر، لا كجدار إسمنتي يتحدث بلغة البيانات الخشبية.
لسنوات طويلة، لم يكن الخطأ السياسي أو الاجتماعي في سوريا يُقابل بالمراجعة، بل بالتبرير أو الإنكار أو التخوين. كانت السلطة تبدو ككائنٍ معصوم، لا يعترف بسوء تقدير ولا يفسر ولا يعتذر. حتى اللغة نفسها كانت مفصولة عن الناس؛ جمل ضخمة وباردة ومليئة بالشعارات، بينما الواقع يسير في اتجاه آخر تماماً. لهذا بدا ظهور رجلٍ مسنّ يتحدث بعفوية، يخطئ ثم يجد من يحاول إصلاح الخطأ علناً، أقرب إلى كسر في صورة السلطة المغلقة التي عرفها السوريون طويلاً.
لكن خلف هذه الزلة تقف مشكلة أكبر بكثير من مقابلة تلفزيونية. فالنظام البائد لم يكتفِ بإنتاج الاستبداد السياسي، بل أعاد تشكيل المجتمع السوري على أسس هشّة وممزقة. لعب لعقود على التفاوت بين المدينة والريف، بين المركز والأطراف، بين “المتحضر” و”المهمش”، وغذّى صوراً نمطية متبادلة بين السوريين حتى أصبحت بعض العبارات التمييزية تُقال بخفة، وكأنها جزء طبيعي من الحديث اليومي.
لم يكن ذلك عفوياً. حين تُهمّش مناطق كاملة تنموياً، وتُختزل فقط بوصفها خزّاناً بشرياً للفقر أو الحرب أو العمالة الرخيصة، يصبح من السهل لاحقاً إنتاج خطاب متعالٍ تجاهها. وحين يشعر أبناء الأطراف أن العاصمة تنظر إليهم بدونية، بينما يشعر أبناء المدن أنهم يحملون “تفوقاً” ثقافياً أو اجتماعياً، تكون السلطة قد نجحت في أخطر ما سعت إليه: تفكيك المجتمع من داخله.
وهنا تكمن حساسية المسألة. فالكثير من السوريين يحملون في داخلهم آثار تلك الانقسامات، حتى وإن لم يعبّروا عنها علناً، أو لم ينتبهوا أصلاً إلى خطورتها وتداعياتها. لقد نجحت السلطة السابقة، عبر التعليم والإعلام والسياسات التنموية المختلة وحتى النكات اليومية، في تحويل الانقسام بين المدينة والريف، وبين المركز والأطراف، إلى شعور خفي يتسلل إلى اللغة والسلوك ونظرة الناس لبعضهم البعض.
ودير الزور واحدة من أكثر المدن التي تعرضت لهذا الظلم المركب. مدينة عوقبت بالتهميش قبل الحرب، ثم دفعت أثماناً كارثية خلالها، ومع ذلك بقيت حاضرة في وجدان السوريين كرمز للقوة والبساطة والكرم والعناد. لذلك فإن أي حديث ينتقص منها لا يجرح أهلها فقط، بل يوقظ ذاكرة طويلة من الأحكام المسبقة التي أنهكت السوريين جميعاً.
ربما لا تكفي الاعتذارات وحدها لإصلاح هذا الإرث الثقيل، لكن مجرد الانتقال من عقلية “السلطة التي لا تخطئ” إلى مساحة تعترف بالهفوة وتحاول معالجتها، هو بداية مختلفة عما عرفناه لعقود. فالمجتمعات لا تتعافى بالكمال المصطنع، بل بالقدرة على الاعتراف، والمراجعة، وكسر الصور المتعالية التي صنعتها سنوات الخوف والانقسام.






