في قلب دمشق، حيث كان يمتزج صرير الخشب بطَرق النحاس ورائحة الياسمين، يقف مجمع “التكية السليمانية” اليوم شاخصاً كأطلال خاوية، يلفه صمت ثقيل لم يعهده المكان منذ عقود. خلف هذه الجدران المبنية من الحجر الأبلق، دارت فصول حكاية تراجيدية تختزل كيف تُفرغ الهوية الثقافية من روحها البشرية؛ حكاية تبدأ من صخب الورش اليدوية النابضة بالحياة، وتمر بقرارات الإخلاء القسري، لتنتهي عند أروقة الاجتماعات الحكومية الوعِدة، وسط تحذيرات خبراء السياحة من قطع الصلة بين الحرفة ومكانها التاريخي.
البداية.. بعث الروح في الحجر المهجور
لم تكن التكية دائماً ذلك المقصد السياحي العالمي الذي يتسابق الجميع عليه. فمنذ خروج العثمانيين، ظل هذا العقار الذي تحوّل من وقف تركي إلى وقف سوري تحت إشراف وزارة الأوقاف—مهجوراً ومنسياً لفترة طويلة. وحتى عندما حاولت وزارة الأوقاف استثماره عام 1968 بمنحه لمعهد لتدريس القرآن الكريم، بقي المشروع حبراً على ورق لعامين، مما دفع الدولة لفسخ العقد.
التحول الحقيقي بدأ في عام 1972، حين أبرمت وزارة السياحة اتفاقاً مع الأوقاف لاستثمار المكان. كانت الفكرة طموحة: تحويل التكية إلى سوق للمهن والحرف اليدوية التقليدية. لكن الموقع حينها كان يعتبر بعيداً نسبياً عن قلب النشاط التجاري المتمركز داخل أسوار دمشق القديمة كالحميدية وباب شرقي.
ولأن الحجر بلا بشر لا يصنع تراثاً، بدأت الوزارة برحلة استقطاب “شيوخ الكار” في البروكار، والموزاييك, والنحاسيات، والزجاج اليدوي، والصياغة، وتطعيم المعادن. قدمت لهم تسهيلات واسعة؛ أجوراً رمزية، وامتيازات، وفرصاً للمشاركة في المعارض الدولية. ومع إزالة الأتربة والردميات المتراكمة منذ عقود، توافد الحرفيون تدريجياً، ليتحول السوق في غضون سنوات قليلة إلى 60 محلاً وورشة عمل تشع إبداعاً، حيث منِح كل حرفي ورشة داخلية واسعة ومحلاً خارجياً لعرض نتاجه أمام زوار العالم، مقدمةً تجربة تراثية متكاملة تجعل الحرفة جزءاً من المشهد العمراني للمدينة.
الصمود في وجه الحرب.. والطعنة من الخلف
عبر عقود، تحولت التكية إلى فضاء حي يعكس هوية دمشق الحرفية وعاءً لذاكرتها الحية. وحتى بعد اندلاع الحرب وتراجع حركة السياحة بشكل حاد بعد عام 2014، رفض الحرفيون المغادرة. ورغم العروض المغرية التي تلقوها للعمل خارج البلاد، والشرط الإداري الصارم الذي ينص على سحب المحل في حال الغياب لأكثر من ثلاثة أشهر، تمسك “شيوخ الكار” بأماكنهم، محولين محالهم إلى خطوط دفاع أخيرة لصون الإرث من الاندثار.
لكن هذا الصمود الطويل انكسر في الأول من كانون الأول/ديسمبر عام 2022. في ذلك اليوم، تلقى الحرفيون إنذارات رسمية مفاجئة ممهورة بتوقيع معاون وزير السياحة المهندس نضال ماشفج، تطالبهم بالإخلاء الكامل خلال مهلة شهر واحد فقط، مستندة إلى بنود عقود استثمارية وُقعت عام 2015.
كانت الذريعة المعلنة “هندسية وقانونية”: وجود هبوطات وتصدعات إنشائية عاجلة تستدعي الترميم. لم يعترض الحرفيون على مبدأ الترميم—بل كانوا من المطالبين به—لكنهم توسلوا إلى الوزارة لتنفيذ الأعمال على مراحل، أو توفير موقع بديل يضمن بقاء السوق كوحدة واحدة للحفاظ على المنظومة الحرفية. رُفضت كل المطالب، وهُدد الحرفيون بتحمل نفقات الإخلاء بالطرق الإدارية إن لم يمتثلوا. وفي مطلع كانون الثاني/يناير 2023، أُغلقت الأبواب، وسُلمت المفاتيح، وتفرّق شيوخ الكار.
غطاء الترميم وظلال “الأمانة”
في خلفية هذا الإخلاء المتسارع، كانت الماكينة الإعلامية التابعة لـ “الأمانة السورية للتنمية” (الواجهة الثقافية المرتبطة بأسماء الأخرس، زوجة رئيس النظام المخلوع بشار الأسد) تروّج للمشروع بوصفه “إعادة إحياء للتراث”. لكن شهادات ميدانية وصوراً مسربة كشفت عن وجه آخر للعملية؛ إذ تحول المكان بعد خروج الحرفيين إلى ساحة للحفر العشوائي والنبش.
وتشير تلك المعطيات إلى أن “الترميم” لم يكن سوى غطاء لأعمال تنقيب واستخراج قطع أثرية وكنوز يُعتقد أنها هُرّبت لصالح الدائرة الضيقة المحيطة بالعائلة الحاكمة، ليُترك المعلم التاريخي بعدها أطلالاً خاوية لسنوات، مفرغاً من هويته وصُنّاعه.
منافي “شيوخ الكار” المؤقتة
تشتت الحرفيون في أحياء دمشق؛ بعضهم استأجر في برزة والشاغور، وبعضهم تملكه اليأس فتوقف عن العمل تماماً. أما القسم الأكبر، فقد نُقل كحل مؤقت إلى “حاضنة دمر للفنون التراثية”.
وفي تصريح خاص أدلى به لمؤسسة جولان الإعلامية، كشف عضو لجنة الحرفيين في التكية السليمانية، يسر علاف وهو أحد القلائل الذين ما زالوا يتقنون حرفة تطعيم المعادن الثمينة بالمينا—عن حجم المعاناة والعمق الإنساني لهذه الأزمة، قائلاً:
“تلقينا في الأول من كانون الأول 2022 إنذارات رسمية بالإخلاء خلال مهلة شهر واحد فقط. كانت مهلة مجحفة وقاسية جداً بحق حرفيين أمضى بعضهم أكثر من خمسين عاماً في هذا المكان؛ فالمهلة لم تكن كافية إطلاقاً لنقل المعدات الثقيلة والورش وتفكيكها”. وأضاف علاف في حديثه لـ “مؤسسة جولان”:
“نحن لم نكن نمانع مبدأ الترميم، بل كنا من المطالبين به نظراً لتدهور الحالة الإنشائية للمبنى، ولكننا حاولوا مراراً وتكراراً التواصل مع وزارة السياحة لإيجاد حلول بديلة تضمن عدم تفككنا، أو توفير موقع بديل قريب ريثما ينتهي الترميم للحفاظ على السوق كوحدة واحدة لما يمثله من قيمة تراثية نادرة، لكن مطالبنا رُفضت ولم تتم الاستجابة لها، لتتفرق المنظومة الحرفية كاملة مطلع عام 2023”.
وعن واقعهم الحالي في “حاضنة دمر”، أوضح علاف لـ “مؤسسة جولان” أن الموقع ورغم تنظيمه الجيد، إلا أنه يعاني من معضلة الجغرافيا الكبرى وبُعده عن مركز المدينة؛ حيث كانت التكية بموقعها الاستراتيجي قرب المتحف الوطني والجامعة تضمن تدفقاً عفوياً للزوار، بينما يتطلب الوصول إلى دمر اليوم “رحلة مقصودة ومعقدة” أثرت سلباً على الحركة التجارية.
كما أشار عضو لجنة الحرفيين إلى تحديات إدارية ناتجة عن تداخل المرجعيات بين اتحاد الحرفيين ووزارة السياحة، فضلاً عن أزمة طاقة خانقة وشح في المحروقات؛ حيث يتأثر الإنتاج مباشرة بتقنين الكهرباء، خاصة للمهن التي تعتمد على أفران حرارية عالية الاستهلاك، مما يضطرهم لتكبّد تكاليف المولدات الباهظة. وختم علاف تصريحه بالتأكيد على التمسك بالأمل بالعودة: “التكية تفقد روحها بدوننا، والعودة إليها تعني استعادة الحياة عبر أصوات المطارق والحركة، فهي البيت الأول والأخير لنا”.
الخطر الحقيقي ليس النقل بل الاندثار
وفي سياق متصل، يرى المرشد السياحي السابق، أحمد عابورة، أن التكية السليمانية هي وعاءٌ سيادي للذاكرة الدمشقية وموقع يربط بين العمارة التاريخية والممارسة الحية للحرف التقليدية، مؤكداً أن أي تغيير في وظفتها يمسّ القيمة الرمزية والاقتصادية معاً.
ويُحذر عابورة من أن:
“نقل الحرفيين لا يدمّر الهوية التراثية تلقائياً، لكنه يضعفها بنيوياً إذا جرى من دون بديل يحافظ على (روح المكان). الهوية هنا لا تتعلق بالمبنى الحجري وحده، بل بالتراكم اليومي للحرفيين، والزبائن، والروائح، والأصوات، وشكل التفاعل الإنساني. إذا تحول النشاط إلى مكان حديث ومعزول كحاضنة دمر، فقد تتحول الحرفة إلى نشاط إنتاجي جاف، بدل أن تبقى جزءاً من الذاكرة الحية للمدينة”.
ويضيف عابورة أن التفكيك غير المدروس يهدد باندثار حرف عريقة أصلًا (كالبروكار والزجاج اليدوي) المذكورة في قوائم الحرف المهددة بالزوال، لأن الخطر يكمن في فقدان شروط الاستمرار: المكان التاريخي، السوق المفتوح، التمرين اليومي، وسلسلة التدريب الشفهي المباشر من “شيوخ الكار” إلى المتعلمين. فالحرفة—وفق تعبيره—لا تصمد بالحنين وحده، بل بمنظومة اقتصادية متكاملة تساعدها على الربح والاستمرار.
نماذج دولية: كيف يُصان التراث دون اقتلاع صناعه؟
ويستشهد المرشد السياحي السابق بأمثلة دولية نجحت في تحقيق التوازن بين الاستثمار والتراث عبر تبني مفهوم “الحفظ النشط”:
تجربة مراكش: نجحت الأسواق التقليدية في المغرب في الحفاظ على الحِرف عبر تنظيم الأسواق حسب الاختصاصات وربطها العضوي بالسياحة والاقتصاد المحلي، بحيث بقيت الحرفة حاضرة في قلب المدينة القديمة لا في هامشها.
تجربة إسطنبول: في البازار الكبير (Grand Bazaar) وسوق “بابالي”، جرى ترميم المواقع وتحديث بنيتها التحتية دون إزاحة الحرفيين أو نقلهم، مما حافظ على الطابع التاريخي واستمرارية الإنتاج في آن واحد. ويؤكد عابورة أن النموذج الأفضل لسياق التكية هو ألا يُفهم الاستثمار بوصفه بديلاً عن التراث، بل كأداة لخدمته؛ وذلك عبر دعم الحرفيين بالكهرباء والوقود والتسويق، وإبقاء جزء تراثي حي في الموقع الأصلي بالتوازي مع أي خطة تطويرية.
وعود الصيف.. هل تعود الروح؟
مؤخراً، عادت الحركة إلى الملف من البوابة الرسمية؛ إذ شهدت أروقة الحكومة السورية الجديدة اجتماعاً موسعاً ضم وزراء السياحة (مازن الصالحاني)، والأوقاف (محمد أبو الخير شكري)، والثقافة (محمد ياسين صالح)، ومحافظ دمشق (ماهر مروان)، ومدير الآثار والمتاحف (أنس حج زيدان)، إلى جانب ممثلين عن “منظمة التنمية السورية”.
الاجتماع ناقش خطة المنظمة لإعادة تأهيل أجزاء المجمع (القاعة الجنوبية، التكية الكبرى والصغرى، وسوق المهن اليدوية). وخلص المجتمعون إلى تشكيل فريق عمل لوضع خطة تنفيذية سريعة، مع إطلاق وعد رسمي بافتتاح المرحلة الأولى من المشروع مع بداية الموسم السياحي الصيفي القادم، لإعادة تفعيل المجمع كواجهة استثمارية وسياحية.
بين هذه الوعود الحكومية المتجددة، وبين تحذيرات الخبراء ومعاناة شيوخ الكار في منافيهم المؤقتة، تبقى التكية السليمانية معلقة في برزخ الانتظار. الخلاصة العملية تؤكد أنه إذا كان النقل مؤقتاً ومصحوباً بخطة عودة حقيقية تحمي المكان وصنّاعه، فقد يكون حلاً إدارياً مقبُولاً؛ أما إذا كان دائماً ومنفصلاً عن السياق الدمشقي، فسيُجهز على ما تبقى من الهوية التراثية الحية للمدينة. فالمباني قد تُرمم، والواجهات قد تُطلى، لكن قيمة التكية لم تكن يوماً في حجارتها الصماء، بل في صوت المطارق الحية التي صاغت وجه دمشق عبر التاريخ، وينتظر أصحابها العودة إليها، باعتبارها “البيت الأول والأخير”.
- جهان خلف/ بثينة الخليل








