علم الدولة السورية الجديدة يتوسط مدينة دمشق

دعني أبدأ باعتراف صغير: أنا أيضًا أحن أحيانًا. أحن إلى أيام كانت فيها الكهرباء تأتي أربعًا وعشرين ساعة، وكانت ربطة الخبز تساوي عشرين ليرة، وكانت البنت تمشي في شارع بغداد وحدها في العاشرة مساءً دون أن تخاف. هذا الحنين ليس جريمة، لأن الحنين بطبيعته شيء إنساني خالص. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحنين إلى أيديولوجيا، وحين تُختزل خمسة وخمسون عامًا من نظام استبدادي في جملة واحدة ظالمة: “كان أفضل”.

في الأسابيع الماضية، وأنا أتابع النقاشات السورية على فيسبوك وتويتر وفي المجالس الخاصة، لاحظت شيئًا محيرًا. هناك فئة، ليست صغيرة وليست هامشية، تقارن بين سوريا الأمس وسوريا اليوم، وكأنها تقارن بين جنة وفوضى. تتحدث عن الأسعار، وعن الأمن، وعن المؤسسات، لكنها تتحدث بصيغة الحنين وتستبعد التحليل. كأن الأعوام الخمسة والخمسين لم تكن عقودًا من القمع والفساد والطائفية الكامنة والاقتصاد المتهالك، وكأنما كانت مجرد “مرحلة سابقة” اختل فيها بعض الترتيب.

تعالَ نكون صادقين: أي مقارنة بين عصر كامل بكل بنيته الفاسدة، وبكل أجهزته الأمنية التي اختطفت مئات الآلاف، وبكل سجونه السرية التي أصبحت مقابر جماعية، وبين سنة ونصف من فوضى الانتقال، هي مقارنة غير عادلة أكاديميًا وأخلاقيًا. مثل مقارنة زواج دام خمسين عامًا قائمًا على الخيانة والكبت، ببضعة أشهر من العزوبية المؤلمة بعد الطلاق. العزوبية صعبة، نعم، والفوضى مزعجة، لكن من قال إن الكبت كان أفضل؟

المثال الحي: الأسبوع الماضي، كنت في جلسة مع أصدقاء في إسطنبول. أحد الحاضرين تاجر من دمشق قال بصوت مرتفع: “والله يا جماعة، أيام الأسد كانت أحسن. على الأقل كانت الدولة موجودة.” سألته: أي دولة؟ تلك التي كان فيها ابن عمك يدفع رشوة ليُوظف في مؤسسة حكومية؟ أم تلك التي كان فيها ابنك لا يستطيع الالتحاق بالجامعة لأن أباه ليس عضوًا في حزب البعث؟ أو تلك التي إذا تحدثت في السياسة اختفيت للأبد؟ صمت الرجل، ثم قال: “لكن على الأقل كنا عارفين شو بدنا.”

هذه العبارة: “كنت عارف شو بدنا”.. أظنها مفتاح الحالة النفسية لهذه الفئة. هم لا يحتجون على الظلم في الماضي، يحتجون على المجهول في الحاضر. والخوف من المجهول أقوى من أي عدالة. وهذا مفهوم، لكنه ليس مبررًا لقلب الحقائق.

هذه الفئة نفسها تُحاجج اليوم بطريقتين حين تُواجه بالحقائق. الأولى: “أنا لا أدافع عن النظام، لكني أصف الواقع.” هذه حيلة قديمة، فالوصف ليس محايدًا أبدًا. حين تختار أن تتحدث عن الأسعار دون أن تتحدث عن كيف كان النظام يخنق الاقتصاد بحروب التجويع، وحين تتحدث عن الأمن دون أن تذكر معتقل صيدنايا، فإنك لست واصفًا، أنت مُحرِّر للذاكرة. الفرق أن التحرير الحقيقي للذاكرة أن تنظر إلى كل شيء، لا أن تنتقي ما يناسب حنينك.

الطريقة الثانية للدفاع: “النظام كان سيئًا، لكنه كان نظامًا. نحن نريد أي نظام، ولو كان ظالمًا، المهم الأوراق منظمة.” هذا الكلام سمعته من أكاديمي سوري في ندوة منذ شهرين. اجترار لفكرة قديمة: أن أي حكم أفضل من لا حكم. لكن صاحب هذه الفكرة لم يعش في ظل دولة تختطف وتقتل باسم النظام. ولو عاش في حلب أو درعا، لربما غيّر رأيه.

دعني أكون أكثر تحديدًا. من هم هؤلاء؟ يمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: متنفعون سابقون، أو محسوبون على المثقفين، أو أشباه مثقفين كالكثير من الفنانين ومن يدّعون أنهم إعلاميون، أو موظفون كبار في مؤسسات أمنية واقتصادية. عاشوا على موائد النظام. هم لا يخدعون أحدًا ولا يخدعون أنفسهم. يعرفون أن النظام كان فاسدًا لكنهم كانوا جزءًا من الفساد. حنينهم ليس إلى الأمن بحد ذاته، وإنما إلى المكانة والمال. أمثلة على ذلك كثيرة. في إحدى المدن السورية، بعد السقوط، وُجد منزل ضابط سابق وكان يخزن فيه أطنانًا من المواد الغذائية التي كان يسرقها من المساعدات الدولية. هذا الرجل يبكي اليوم “الأمن” الذي فقده، لكنه في الحقيقة يبكي النهب الذي فقده.

الفئة الثانية: الغائبون والمضللون. لم يكونوا مباشرة في دائرة النخبة، لكنهم عاشوا في مدن ساحلية أو مناطق كانت “هادئة” نسبيًا. لم يروا المعتقلات بأعينهم. سمعوا عنها، لكنها كانت “بعيدة”. هذه الفئة تشبه الألماني الذي عاش في بافاريا أثناء النازية وقال بعد الحرب: “كنا لا نعرف شيئًا عن المعسكرات.” بالطبع كان يعرف، لكنه اختار ألا يعرف. التضليل هنا ليس فقط من جهة النظام السابق، هو تضليل ذاتي. إنسان لا يريد أن يُكدر صفو يومه بأخبار صيدنايا، فيُطفئ التلفزيون كلما بدأ الحديث عن التعذيب. ثم بعد السقوط يتفاجأ: “لماذا هذا العنف؟ ولماذا هذه الفوضى؟” لأنك لم تكن تنظر يا صديقي.

الفئة الثالثة: المنهكون نفسيًا. هذه الفئة ربما الأكثر تعاطفًا. الناس الذين تعبوا، حقًا تعبوا، من الأعوام الخمسة والخمسين، وبعدها من الحرب، والآن من الفوضى. دماغهم يبحث عن أي نموذج مألوف، وأي نموذج يكون أكثر استقرارًا من الحالي. هذه الفئة لا تتبنى خطاب النظام بوعي، لكنها تقع في فخ المقارنة الانتقائية لأنها تريد فقط أن تستريح. أتفهمهم حقًا، لكن الحل ليس العودة إلى الماضي، وإنما في الإسراع في بناء حاضر مختلف. والفرق أن هذا يحتاج صبرًا، والناس ليس لديهم صبر.

الحقيقة المزعجة التي لا يريد أحد أن يقولها صراحة: المقارنة بين خمسة وخمسين عامًا وسنة ونصف ليست مقارنة تاريخية، هي مقارنة دعائية. أي طالب في السنة الأولى في السياسة يعلم أنك لا تقارن نظامًا مستقرًا (وإن كان فاسدًا) بمرحلة انتقالية. التحليل الأكاديمي يتطلب وضع كل فترة في سياقها، لكن الدعاية لا تهتم بالسياق، الدعاية تريد نتيجة. وهذه النتيجة تحديدًا: تخريب الصورة الانتقالية الجديدة حتى في أذهان السوريين أنفسهم.

أتذكر خبرًا نشرته إحدى القنوات العربية قبل أشهر: سيدة سورية في إحدى المدن التي خرجت من تحت سيطرة النظام، كانت تشتكي من غلاء السكر في السوق. الصحفي سألها: “لكن أليس هذا أفضل من أن يكون ابنك في السجن؟” نظرت إليه وقالت: “السكر مسألة يومية، والسجن كان بعيدًا عني.” هذه العبارة: “السجن كان بعيدًا عني”.. إنها بالضبط روح هذه المقارنات المغلوطة. حين يكون الظلم بعيدًا، تصبح التفاصيل اليومية هي كل ما يهم، وحين يكون الظلم قريبًا، تفهم معنى الأشياء.

لا أطالب السوريين ألا يحنّوا، لكن أطالبهم أن يسألوا أنفسهم سؤالًا واحدًا قبل كل مقارنة: “هل كنت من المظلومين حقًا، أم كنت فقط من أولئك الذين لم يصلهم الظلم بعد؟”

لأن النِّصاب أن تتحدث عن الأمن وقد كنت آمنًا في منزلك بينما جارك يُسحب في الرابعة فجرًا، وأن تتحدث عن الأسعار وقد كنت تتسوق في محل البقالة بينما عائلته تُعدم في الزنزانات.

أخيرًا.. أريد أن أقول شيئًا ربما يكون غير شائع في عالم الافتتاحيات: لا أعتقد أن الحاضر السوري مثالي. هو بعيد عن المثالية. الفساد لا يزال موجودًا، ومؤسسات الدولة لا تعمل كما ينبغي، والأمن ناقص، والأسعار مرتفعة. نعم، كل ذلك صحيح، والنقد واجب، لأن النقد هو الطريق الوحيد لتحسين الأحوال.

لكن الفرق بين النقد البنّاء والمقارنة المغرضة هو أن النقد ينطلق من حيث نحن الآن، ويسأل: “كيف نصنع غدًا أفضل؟” بينما المقارنة المغرضة تنطلق من حيث كنا، وتتساءل بحنين: “ألم يكن الأمس أجمل؟”

الجواب: لا. الأمس لم يكن أجمل. الأمس كان مجرد مختلف، وكان الفرق في أن الاختلاف كان في الجوهر وليس في التفاصيل: الأمس كان دولة تقوم على القمع والسرقة والخنوع. واليوم — مع كل فوضاه — لا يقوم على شيء بعد، لكنه على الأقل يمكن أن يقوم على شيء غير القمع.

وهذا بحد ذاته، بداية لا بأس بها.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top