أعاد قرار حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية السورية، والذي كشفته صحيفة المدن استناداً إلى مصدر داخل الوزارة، فتح النقاش حول كيان لم يمضِ على تأسيسه سوى عام واحد، أُنشئ بقرار من الوزير أسعد الشيباني في آذار/مارس 2025 بهدف إدارة أملاك حزب البعث والمنظمات التابعة له، والإشراف على النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى إدارة العمل السياسي الداخلي، وهي مهام أثارت منذ اللحظة الأولى جدلاً واسعاً حول قانونية موقع الأمانة داخل وزارة يُفترض أن يقتصر اختصاصها على السياسة الخارجية.
وفي تطور جديد، نقلت صحيفة المدن وصحيفة العربي الجديد عن مصدر مطلع في وزارة الخارجية أن الشيباني وجّه بحلّ الأمانة وإدماج كوادرها ضمن الوزارة وبعض الوزارات الأخرى، موضحاً أن القرار لم يصدر رسمياً بعد، لكن مسؤولي الأمانة أُبلغوا بأن الحلّ أصبح نافذاً، وأن معظم العاملين سيتم نقلهم إلى جهات حكومية مختلفة، فيما ستُناط متابعة عمل النقابات ومنظمات المجتمع المدني بهيئة مستقلة يجري التحضير لتشكيلها.
وأكد مصدر آخر من داخل الأمانة لـالعربي الجديد أنه تم إبلاغهم فعلياً بقرار الحلّ دون صدور وثيقة رسمية حتى الآن.
الانتقادات التي وُجّهت للأمانة لم تقتصر على طبيعة صلاحياتها، بل طالت تدخلها في النقابات المهنية، إذ دعا المحامي والحقوقي محمود النجار الهادي إلى “كفّ يد الأمانة عن نقابة المحامين والنقابات المهنية والعلمية”، معتبراً أنها “كيان بلا صفة” وأن النقابات هي منظمات مجتمع مدني مستقلة لها قوانينها التي تنظّم عملها وتضمن استقلالها، ولا مصلحة للبلد في تقييدها أو فرض وصاية عليها، مؤكداً أن تدخلها يتعارض مع قيم المرحلة الجديدة ومع الدور التاريخي للمحامين الذين كانوا “شعلة الثورة وجذوتها”.
وفي السياق ذاته، رأى الحقوقي ميشال شماس أن استحداث الأمانة منحها سلطة الإشراف على مديريات الشؤون السياسية في المحافظات، ما جعل وزارة الخارجية عملياً تقود العمل السياسي المحلي “تماماً كما كانت تفعل القيادة القطرية لحزب البعث”، محذّراً من خطورة الصلاحيات الممنوحة لها ومعتبراً أن إنشاءها “مشوب بعيب عدم المشروعية” لكونه خارج اختصاص الوزارة.
كما اعتبر الناشط عبد الرحمن إسماعيل أن الأمانة تحوّلت إلى “حاجز أمام بناء مجتمع مدني يرسّخ دولة الحرية والعدالة”، وأن دورها يعيد إنتاج نمط تنظيمي شبيه بالبعث يقوم على الانتفاع والمكاسب الشخصية بعيداً عن القيم الوطنية التي نادت بها الثورة، مشدداً على أن الإشكال لا يتعلق بالأشخاص داخل الأمانة بل بـ“منظومة مستنسخة من حزب البعث” لا تصلح للعمل الوطني، وأن الحل يكمن في حلّها وإسناد شؤون المجتمع المدني إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بوصفها الجهة المختصة.
وفي خضم هذا النقاش، يذهب الناشط قصي حيدر إلى أن قرار حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية لا ينبغي النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً فحسب، بل بوصفه لحظة اختبار لمسار سياسي كامل.
ويرى أن القرار ــ إذا كان يعكس مراجعة حقيقية لمرحلة سابقة ــ يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأن بناء الدولة لا يمكن أن يستقيم مع وجود أجسام استثنائية أو متفرّدة بالقرار تعمل خارج الأطر الواضحة للمساءلة والشفافية.
ويؤكد حيدر أن إنهاء حالة التفرد في إدارة الشأن السياسي يجب أن يكون بداية لمسار أوسع يعيد الاعتبار للحياة السياسية الطبيعية، القائمة على التعددية وحرية التنظيم وحق الأحزاب والقوى المدنية في العمل ضمن إطار قانوني عادل وواضح.
ويشدّد على أن السؤال اليوم لم يعد مرتبطاً بحلّ جسم سياسي بعينه، بل بشكل المرحلة المقبلة: هل نحن أمام فتح حقيقي للمجال السياسي؟ وهل ستكون الخطوة بداية لبناء دولة قانون ومؤسسات تُدار بالقواعد لا بالاستثناء، وبالهياكل الدائمة لا بالأجسام المؤقتة أو المغلقة؟ معتبراً أن ما يطمح إليه السوريون هو دولة تُدار بالقانون وتستعيد السياسة باعتبارها حقاً عاماً لا امتيازاً محصوراً بجهة واحدة.
ومع غياب بيان رسمي يوضح أسباب الحل، تشير المعطيات المتقاطعة التي نقلتها المدن والعربي الجديد ومصادر حقوقية إلى أن القرار جاء نتيجة تضارب الصلاحيات، واتساع الانتقادات القانونية، وعدم التجانس بين فروع الأمانة في المحافظات، إضافة إلى الجدل الذي رافق تشكيلها لناحية تعارض مهامها مع مهام وزير الخارجية وإشرافها على نقابات يُفترض أن تكون مستقلة، ما جعل استمرارها عبئاً على بنية الدولة في مرحلة تتطلب إعادة تنظيم الحياة السياسية بعيداً عن الهياكل التي تستعيد ممارسات ما قبل 2011، ليأتي الحل في سياق إغلاق ملف مؤسسي لم يكتمل تعريفه منذ لحظة ولادته.






