لوحة كاريكاتير مولدة بالذكاء الاصطناعي خاص مؤسسة جولان

تعيش الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع تحت ضغط متزايد من الرأي العام، بعد أن تحولت مظاهر البذخ والترف إلى مادة رئيسية للهجوم عليها، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يواجهها أغلب السوريين.

تسريب وزارة الأوقاف حول شراء سيارات فارهة بقيمة عالية فجّر أزمة جديدة، وأعاد طرح سؤال الشرعية الأخلاقية للسلطة في زمن الفقر.

تبريرات بعض المسؤولين والمؤيدين بأن امتلاك المسؤول سيارة فخمة ومنزل ولباس يليق بمقامه أمر طبيعي في أي دولة، لم تقنع الشارع السوري، بل زادت من حدة النقد، خاصة بعد المقارنة التي طرحها محمد أسد خليل، عضو الأمانة العامة للحكومة السورية المؤقتة، عبر حسابه في فيسبوك، الذي وثّق تجربة وزراء عاشوا بتواضع في أعزاز: حيث كانت السيارات شعبية لا يتجاوز سعرها خمسة آلاف دولار، ووجبات الطعام خلال العمل بسيطة.. سندويش الفلافل والشاورما، ووزير دفاع يقود سيارته بيك آب بنفسه بلا سائق ولا موكب.

هذه الشهادة أبرزت الفارق بين سلوك الحكومة الحالية وتجربة الوزراء في الحكومة السورية المؤقتة سابقاً الذين حاولوا أن يجسدوا قيم الثورة في حياتهم اليومية.

في المقابل، يرى الكاتب والصحافي أحمد عاصي: أن الهجوم على الدولة والحكومة أصبح نهجًا تتبناه مجموعات تحمل عداءً غير مبرر لسوريا الجديدة، مشددًا على أن النقد لأي خطأ ضروري، لكن ما يحدث من تأليف وكذب وتجييش للشارع لم يعد نقدًا بل عداءً صريحًا.

وزارة الأوقاف عبر معاون الوزير سامر بيرقدار والمتحدث أحمد حلاق أوضحت أن الوزارة لم تشترِ أي سيارة جديدة حتى الآن، وأن ما تم تداوله على وسائل التواصل صيغة غير معتمدة أُوقفت منذ أسبوعين بقرار من الوزير، مؤكدة أن أي شراء مستقبلي سيكون وفق الحاجة والإمكانيات لخدمة أكثر من 90 مديرية وشعبة في المحافظات.

على الضفة الأخرى، يبرز صوت الكاتب قتيبة ياسين الذي يرى أن شراء سيارات فارهة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل قرش يُعد قلة مسؤولية وخيانة للأمانة، متسائلًا: “من الذي أفهم المسؤول بأن قيمته تأتي من فخامة السيارة التي يركبها؟” ومؤكدًا أن عبارة “السيارات للمنصب وليست للشخص” غير مقنعة، وأن المال العام يُهدر في مظاهر لا تدوم أكثر من سنتين، بينما المسؤولية في جوهرها مغرم وليست مغنم.

ومن المظاهر التي زادت من حدة الجدل، ظهور بعض المسؤولين أمام الكاميرات وهم يتصنعون التواضع ويقدمون مساعدات رمزية للفقراء، في مشاهد أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منها إلى ممارسة فعلية للعدالة الاجتماعية.

فلو كانت النية صادقة في خدمة المواطن، لكان الأولى أن تُبنى آلية عمل داخل السلطة تجعل من التقشف والشفافية قاعدة أساسية، لا أن يبقى البذخ هو السمة الغالبة.

إن مساعدة الفقير لا تتحقق بصورة عابرة أمام عدسات الإعلام، بل عبر سياسات عامة تضمن له حياة كريمة وتعيد توزيع الموارد بما يتناسب مع حاجات المجتمع.

إن هذا التباين بين المواقف الرسمية والدفاعية من جهة، والانتقادات الشعبية والإعلامية من جهة أخرى، يكشف أن الأزمة ليست مجرد جدل حول سيارات، بل هي انعكاس لصراع أعمق حول طبيعة الحكومة الجديدة.

في النهاية، يبقى النقاش الدائر فرصة لإعادة التفكير في شكل الإدارة العامة ومعاييرها، بعيداً عن الانفعال أو الاتهام. فالمجتمعات التي تمر بظروف استثنائية بعد الثورات تحتاج إلى مؤسسات قادرة على بناء الثقة قبل أي شيء آخر، وإلى سياسات واضحة تُطمئن المواطن بأن المال العام يُدار بكفاءة ومسؤولية.

وبينما تتعدد الآراء حول التفاصيل، يظل المبدأ الأهم هو أن تُدار الدولة بروح الخدمة لا الاستعراض، وبمنهج يوازن بين متطلبات العمل واحترام حساسية المرحلة.
فالحكم الرشيد لا يقوم على المظاهر، بل على وضوح السياسات، وشفافية القرار، وقدرة المؤسسات على أن تكون قريبة من الناس في واقعهم اليومي.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top