قرية خويخة الجولانية

على السفح الشمالي الغربي لتل يوسف، وشرق تل أبو خنزير، وفي منطقة تتقاطع فيها التلال البركانية مع الوديان العميقة، قامت قرية خويخة، إحدى القرى الريفية الصغيرة التي كانت تتبع لناحية مركز القنيطرة في محافظة القنيطرة قبل عام 1967، وبلغ عدد سكانها نحو 480 نسمة.

تميّزت القرية بموقع جغرافي فريد، جعلها تُعرف بين أهالي الجولان باسم «خويخة المحمية»، إذ تحيط بها الوديان من مختلف الجهات: وادي كنف، وادي زيتا، وادي خويخة، ووادي الصلبة. كما تجاورها قرى قطوع الشيخ علي، الحسينية الشرقية، خوخة، عيون حمود، زيتا، البير الجنوبية، كنف، وخربة كنف، ويفصلها تل المشرفاوي عن كفر عاقب.

وتطل خويخة على بحيرة طبريا من مسافة تتراوح بين أربعة وخمسة كيلومترات شمال شرقي البحيرة، فيما تبعد نحو عشرة كيلومترات جنوب غربي مدينة القنيطرة، ما جعلها حلقة وصل بين السهول الزراعية الخصبة والمراعي الواسعة، التي تتخللها ينابيع طبيعية شكّلت أساس الحياة فيها.

أُقيمت القرية على أرض بازلتية داكنة اللون، وهي سمة بارزة في البيئة البركانية الممتدة جنوب الجولان. وقد انعكست هذه الطبيعة على طابعها العمراني، إذ بُنيت المنازل من الحجارة السوداء الممزوجة بالطين والخشب، وسُقفت بالقصب والتراب، في نمط بسيط يتلاءم مع طبيعة المناخ القاسي.

وتشير روايات كبار السن إلى أن بعض حجارة البناء استُخدمت من بقايا منشآت رومانية وبيزنطية، ما يدل على عمق الاستيطان في المنطقة، ووجود نشاط زراعي وصناعي قديم، تؤكده أيضاً معاصر الزيتون الحجرية وبقايا الفخار والأعمدة المنتشرة في التلال المحيطة.

شكّلت الينابيع الطبيعية، مثل عيون حمود وينابيع زيتا وصباحية، المصدر الرئيس لمياه الشرب والري، ضمن شبكة مائية تنحدر نحو بحيرة طبريا، وأسهمت في ازدهار زراعة الزيتون والخضراوات المروية، إلى جانب الحبوب والبقول التي اعتمدت على الأمطار.

واعتمد سكان خويخة على اقتصاد ريفي قائم على الزراعة البعلية وتربية المواشي، فزرعوا القمح والشعير والعدس، وربّوا الأبقار والأغنام والماعز، إضافة إلى بعض الجمال. وكانت المائدة اليومية قائمة على منتجات محلية من اللحوم والألبان والسمن والزبدة والبيض، في نمط يعكس الاكتفاء الذاتي.

وينتمي معظم سكان القرية إلى عشيرة البحاترة ذات الجذور الطائية، ما أرسى بنية اجتماعية متماسكة قائمة على التعاون في مواسم الزراعة والحصاد، وتعزيز الروابط العائلية والعشائرية.

وكانت المضافة مركز الحياة الاجتماعية، تُستقبل فيها الضيوف، وتُحلّ الخلافات، وتُدار شؤون المجتمع، حيث تُقدَّم القهوة المرة وفق طقوس دقيقة تبدأ بكبير الحضور، ويُعدّ الامتناع عن شربها دلالة ذات معنى اجتماعي يُستخدم أحياناً للتعبير عن موقف أو طلب جاهة.

وفي الأعراس، كان وفد الجاهة يتقدم لطلب يد العروس رسمياً، في تقليد يمنح العائلة مكانة مرموقة. يمتطي العريس صهوة الخيل، وترافق العروس مواكب النساء بالزغاريد، فيما تُقدَّم الذبائح والمناسف، وتُؤدّى الدبكة الجولانية بالسيف والعصا على أنغام المزمار والطبول.

أما في الحزن، فتجتمع العشيرة في بيت الفقيد، وتُقام بيوت العزاء في الساحات والمضافات، وتُقدَّم القهوة المرة ووجبات جماعية للمعزين، مع التزام النساء بارتداء السواد وتوقف مظاهر الفرح خلال فترة الحداد، فيما يبرز الشعراء في رثاء الموتى، في مشهد يعكس عمق التماسك الاجتماعي.

في حزيران 1967، تعرّضت خويخة للتدمير الكامل عقب الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ولم يبقَ منها سوى أطلال متناثرة بين التلال البازلتية.

انتقل أهلها إلى دمشق وريفها ومناطق أخرى، واندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة، مع حفاظهم على عاداتهم ولهجتهم وذاكرة قريتهم، التي بقيت حيّة في الرواية الشفوية.

وهكذا تحوّلت خويخة من قرية ريفية صغيرة إلى ذاكرة حيّة، تختزن حكاية مكان صاغت الطبيعة ملامحه، وصاغ أهله روحه، قبل أن تُمحى من الجغرافيا وتبقى راسخة في الوجدان الجولاني.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top