علم الدولة السورية الجديدة يتوسط مدينة دمشق

لم يعد المؤقت في سوريا حالة عابرة نلجأ إليها عند الحاجة إنما أصبح جزءاً من يومياتنا. في القرارات والخدمات والعمل وحتى في تفاصيل الحياة الصغيرة تسود فكرة الآن والعاجل بدل التخطيط والوضوح. ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: متى ينتهي هذا الوضع؟ بل كيف يمكن التأقلم معه؟
ومع غياب أي خطة واضحة أو رؤية طويلة الأمد، لم تعد الحلول المؤقتة وسيلة لتجاوز الأزمات، إنما أصبحت جزءاً منها و أحياناً تتحول إلى المشكلة نفسها.
الاعتماد على الحلول المؤقتة في سوريا لم يعد مرتبطاً بلحظات الطوارئ أو الأزمات المفاجئة لكنه أصبح نهجاً ثابتاً في التعامل مع أغلب القضايا والملفات.
يحاجج مؤيدو القرارات المؤقتة بأن البلاد خرجت للتو من حرب طويلة مدمرة وأنها تحتاج خطط سريعة للأنقاذ وبذات الوقت مؤقتة في ظل ترهل المؤسسات السياسية والإدارية.
فيما يرى منتقدو هذه السياسات بأن عدم وجود خارطة طريق واضحة بزمن وخطوات محددة يوقع البلاد في فخ التجريب، والذي ينعكس سلباً على إعادة الإعمار من جهة وعلى الاستقرار من جهة أخرى.
فكلما برزت مشكلة يُكتفى بإجراء سريع يحدّ من آثارها دون أن يتم تقديم حلول حقيقية أو نهائية لها. ومع مرور الوقت تحوّل هذا الأسلوب من استجابة مؤقتة إلى واقع دائم حتى غدت المرحلة المؤقتة هي القاعدة لا الاستثناء. ومع مرور الوقت لم تعد هذه الحلول محاولات متقطعة بل أخذت تتراكم شيئاً فشيئاً فوق بعضها. فكل إجراء مؤقت يعالج جانباً من المشكلة ويترك جوانب أخرى بلا حل لتبدأ الحاجة إلى خطوة جديدة كل فترة. وهكذا تتكوّن سلسلة من الحلول الجزئية التي تتشابك معاً حتى يصعب لاحقاً فصلها أو فهم أصل المشكلة لأنها أصبحت متداخلة ومستمرة دون أن تصل إلى حل حقيقي.

ولم يقتصر هذا الأسلوب على طريقة إدارة الشأن العام بل تسلّل تدريجياً إلى حياة الناس اليومية شيئاً فشيئاً صار العيش بيوم واحد هو القاعدة وتراجعت فكرة التخطيط حتى على المدى القريب فأغلب القرارات صارت تُتخذ بناءً على ما هو متاح في اللحظة لا على ما قد يأتي لاحقاً.
ومع مرور الوقت لم يعد اللا استقرار في الحياة مجرد ظرف مؤقت لكنه تحوّل إلى حالة دائمة تحدد طريقة عيش الناس وتؤثر في نمط حياتهم يوماً بعد يوم.
ومع استمرار هذا النهج تتكشف مفارقة واضحة فالحلول المؤقتة التي وُجدت لتخفيف الأزمات أصبحت تخلق مشكلات جديدة بدلاً من حلها. فكل معالجة جزئية تترك آثاراً جانبية غير محسوبة..تستدعي إجراءات إضافية لمعالجتها.
وهكذا تتواصل الدائرة نفسها حيث تولد كل حلقة من الحلول المؤقتة أزمة جديدة من دون أن يتحقق استقرار حقيقي أو نهاية واضحة للمشكلة.
في هذا الواقع لا تكمن المشكلة في طبيعة التحديات نفسها بقدرما يكمن في غياب إطار واضح يوجّه طريقة التعامل معها. فالتعامل الدائم مع الوقائع وكأنها طارئة من دون ضمّها إلى رؤية أشمل يقلّل من فرص الوصول إلى نتائج مستقرة.
ومع استمرار هذا الغياب تفقد الحلول المؤقتة معناها كمرحلة انتقالية لتتحول شيئاً فشيئاً إلى واقع ثابت يصعب تغييره.
أمام هذا الواقع تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الجدية في صياغة الخطط وتنفيذها بما يتجاوز إطار المعالجات الآنية والحلول السريعة.
فاستمرار إدارة الملفات بعقلية الاستجابة الفورية دون الانتقال إلى منهج تخطيط واضح يكرّس فكرة المؤقت كحالة دائمة يصعب تجاوزها.
وفي هذا السياق…يمكن تحديد مسارين أساسيين للعمل.
أولاً- اعتماد خطط محددة زمنياً ومرتبطة بمعايير واضحة للمتابعة والتقييم بحيث تكون لكل مرحلة بداية ونهاية لا أن تبقى مفتوحة بلا أفق واضح.
وثانياً- ربط الإجراءات المؤقتة بأهداف بعيدة المدى لتصبح جزءاً من مسار متكامل لا مجرد ردّ فعل على الوقائع الأمر الذي يفتح المجال تدريجياً أمام بناء واقع أكثر ثباتاً واستقراراً.

في المحصلة…ليست المشكلة في استخدام الحلول المؤقتة بحدّ ذاتها بل في غياب الأفق الذي يحدد نهايتها. فعندما تغيب الاستراتيجية تفقد هذه الإجراءات وظيفتها كمرحلة عبور وتتحول مع الوقت إلى واقع دائم يصعب تجاوزه.
وبين الحاجة إلى مواجهة اللحظة وبناء المستقبل يبقى التحدي الأكبر في استعادة القدرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صياغة المسار قبل أن يستقر المؤقت بوصفه دائماً.

ولعل أبرز قواعد تثبيت الاستقرار هي إيجاد بنية قانونية وتشريعية تتحمل مسؤولية إصدار التشريعات والقوانين وبالتالي ضمان عدم التجريب والتكرار والوصول لشيء من الاستدامة التي تدعم المرحلة المؤقتة وتضع أسس للمرحلة القادمة لسوريا الجديدة المستقرة.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top