لم تعد الحروب تُخاض فقط على الجبهات، بل انتقلت إلى مساحة أكثر خطورة: العقول. هناك، خلف الشاشات الصغيرة، تُدار حرب صامتة لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، لكنها لا تقل فتكًا؛ حرب تُستهدف فيها الحقيقة، ويُعاد تشكيل الوعي، وتُزرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد. في هذا الفضاء المفتوح، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى منصات تُستثمر فيها الانقسامات، وتُدار عبرها حملات منظمة هدفها التحريض وتشويه السمعة وتأجيج الصراع بين السوريين.
هذه الصفحات لا تنشأ بالصدفة، بل تُصنع بعناية وتُدار بعقل بارد، وتتحرك وفق خطط مدروسة تستهدف نقاط الضعف في المجتمع: الخوف، الغضب، والذاكرة المثقلة بالجراح. ما يجري ليس عشوائيًا، بل عملية ممنهجة تقوم على أدوات دقيقة؛ فالمحتوى لا يُنشر عبثًا، بل يُصاغ لإثارة أقوى رد فعل ممكن، عبر عناوين صادمة وكلمات مشحونة ورسائل تستهدف الغرائز لا العقول. وليس كل ما يُنشر كذبًا صريحًا، فالأخطر هو نصف الحقيقة: صورة خارج سياقها، أو فيديو مجتزأ، أو معلومة صحيحة وُضعت في إطار مضلل، كفيلة بصناعة رواية زائفة متكاملة.
خلف كل منشور قد تقف عشرات أو مئات الحسابات الوهمية ضمن ما يُعرف بالجيوش الإلكترونية؛ تعليقات متشابهة، تفاعل مصطنع، وضغط نفسي يُوهم المتلقي بأن هذا هو “رأي الأغلبية”. وعندما تتحول الهوية أو المنطقة أو الانتماء إلى أداة استقطاب، يصبح المجتمع ساحة مفتوحة للتوتر، ويُعاد تعريف “الآخر” بصورة سلبية. كما تُطلق حملات تشويه ممنهجة ضد أفراد أو شخصيات عامة، ليس فقط لإسكاتهم، بل لكسر الثقة بكل صوت مستقل أو معتدل.
ولا تكمن الخطورة في صانعي المحتوى فقط، بل في البيئة التي تسمح له بالانتشار: فراغ إعلامي، وثقة مهزوزة بالمصادر التقليدية، وسرعة هائلة في نشر المعلومات مقابل بطء التحقق، وخوارزميات تُكافئ الإثارة وتُضعف المحتوى المتوازن، إضافة إلى انقسامات عميقة تُستغل بدل أن تُعالج، وضعف في الوعي الرقمي لدى شريحة واسعة من المستخدمين. هنا، يصبح المستخدم نفسه جزءًا من المعادلة دون أن يدرك.
فالمنشور ليس مجرد كلمات، بل قد يكون شرارة تبدأ إلكترونيًا وتتحول إلى واقع ملموس: علاقات اجتماعية تتفكك تحت ضغط الشك، سمعة أشخاص تتضرر دون دليل، فرص الحوار تتراجع أمام الخطاب المتطرف، وثقة عامة تتآكل ليحل مكانها الارتياب. إنها ليست فوضى معلومات، بل تفكيك ممنهج للنسيج المجتمعي.
أما المواجهة، فلا تكون بردود فعل عاطفية، بل برؤية واعية تقوم على بناء مناعة رقمية عبر التحقق والتفكير النقدي، وكشف آليات عمل الصفحات المنظمة، ودعم الإعلام المهني المسؤول، واعتماد خطاب هادئ قائم على الدقة والحقائق بدل الانجرار وراء الاستفزاز.
المسؤولية هنا مشتركة: على مستوى الفرد، كل “مشاركة” هي موقف؛ إما أن تساهم في التهدئة أو في زيادة التوتر. وعلى مستوى المجتمع، فإن تجاهل خطاب الكراهية يترك مساحة لانتشاره. أما على مستوى المنصات، فالمعادلة يجب أن تراعي السلم المجتمعي إلى جانب الانتشار.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على الأرض، بل على الوعي. قد لا يكون من الممكن إيقاف كل الصفحات المضللة، لكن يمكن الحد من تأثيرها. في لحظة واحدة، قبل الضغط على “مشاركة”، لا ينقل المستخدم خبرًا فقط، بل يحدد موقفه: هل يساهم في نشر الحقيقة، أم في تعزيز الانقسام.






