لم تبدأ الحكاية في مرسم أو على يد أستاذ خط، بل على مقعدٍ مدرسي بسيط. هناك، في الصف الرابع الابتدائي، كان الطفل لقمان الحربي يملأ دفاتره بما يسميه اليوم “شخابيط”، خطوط صغيرة لم يكن يدرك أنها البذرة الأولى لشغف سيعود إليه بعد سنوات طويلة.
يروي الحربي في حديثه لـ مؤسسة جولان الإعلامية أن نقطة التحول الأولى كانت في الصف الخامس الابتدائي، عندما لاحظت معلمته خطه، فأحضرت له كراسة لتعليم الخط العربي. كانت تلك اللحظة أول تشجيع حقيقي لموهبته، لكنه لم يستمر طويلاً. فمع انتقاله إلى صف آخر، غابت المعلمة التي دعمته، وغاب معها الحافز، خصوصاً في ظل عدم وجود تشجيع من العائلة أو البيئة المحيطة.
يقول الحربي إنه بعد تلك المرحلة ترك الورقة والقلم لأكثر من عشر سنوات بسبب ظروف الدراسة والعمل، قبل أن يعود إلى الخط قبل نحو عامين فقط. ومنذ ذلك الوقت بدأ رحلة تطوير نفسه بنفسه، معتمداً على متابعة أعمال الخطاطين عبر الإنترنت والتدريب المستمر، حتى وصل إلى مستوى يراه “جيداً” رغم نقص الأدوات والمواد.
الشاب لقمان الحربي، من مواليد عام 1988 في منطقة رأس العين، يقيم اليوم في مدينة الحسكة. ويشير في حديثه إلى أنه لم يكن يعرف في مدينته خطاطين كثيرين، باستثناء الخطاط أحمد صقر، إلا أن صغر سنه آنذاك وقلة الاهتمام بهذا الفن في المنطقة جعلاه بعيداً عن متابعة هذا المجال.
ويضيف أن الخطاط الذي تأثر به أكثر من غيره هو الخطاط زكي الهاشمي، الذي يراه قدوة لكل من يحب هذا الفن.
ورغم أنه تعلم الخط بشكل شبه ذاتي، إلا أن الحربي يكتب اليوم بعدة خطوط، منها النسخ والرقعة والديواني والخط الحر، غير أن خط النسخ يبقى الأقرب إلى قلبه. ومع ذلك، يؤكد أنه لا يعتبر نفسه محترفاً بعد، لأن رحلته مع الخط ما تزال مستمرة.
وخلال العامين الماضيين، لم يترك الحربي القلم يوماً، بحسب قوله. فقد أصبح التدريب اليومي جزءاً أساسياً من حياته. كما تعرّف عبر الإنترنت إلى عدد من الخطاطين السوريين الذين تابعوا أعماله وأبدوا إعجابهم بأسلوبه، وأخبره بعضهم أن لديه لمسات خاصة في الخط، إلا أنه يعلق على ذلك بتواضع قائلاً: “أنا أراها عادية جداً، وهذا الحكم متروك للمتابع”.
ورغم كثرة ما كتبه من آيات قرآنية وعبارات وأسماء، إلا أنه لا يملك حتى اليوم لوحة خطية مكتملة المواصفات. ويعزو ذلك إلى نقص المواد اللازمة، مثل الورق الجيد والأدوات الخاصة والإطارات المناسبة، وهي أمور يصعب تأمينها في الحسكة.
ويقول الحربي إن أبرز التحديات التي تواجهه تتمثل في عدم وجود مراكز متخصصة لتعليم الخط العربي في المنطقة، إضافة إلى صعوبة تأمين مستلزمات هذا الفن. وغالباً ما يضطر للبحث عنها عبر الإنترنت في دمشق أو حلب، ثم يبدأ رحلة أخرى للعثور على شخص يستطيع إيصالها إلى الحسكة.
كما يشير إلى أن الوضع المادي يلعب دوراً كبيراً في هذه الصعوبات، لأن العمل الفني لا يعتمد على الموهبة فقط، بل يحتاج إلى أدوات ومستلزمات، وهو ما يصبح صعباً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، حيث ينظر كثيرون إلى هذه الأمور على أنها رفاهية مقارنة بتأمين أساسيات الحياة.
ورغم هذه التحديات، يلاحظ الحربي وجود اهتمام متزايد بين بعض اليافعين والشباب بتعلم الخط العربي، إذ تواصل معه عدد منهم بالفعل لهذا الغرض. وقد بادر إلى افتتاح دورات صغيرة لتعليم الخط، لكنها بقيت محدودة العدد، وغالباً ما تقتصر على شخصين أو ثلاثة في كل مرة.
أما حلمه الأكبر، فيتمثل بإنشاء “دار للخط العربي”، وهو مكان بسيط يخصص لتعليم هذا الفن وعرض الأعمال الخطية.
ويرى الحربي أن الحفاظ على الخط العربي في زمن التكنولوجيا يعني “الحفاظ على الروح في زمن الآلة”، موضحاً أن التكنولوجيا قد تكون أداة مساعدة، لكنها لا تستطيع منح الخط تلك البصمة الإنسانية التي تخرج من يد الخطاط، حيث يتحول الحبر إلى نبض، وتصبح الحروف امتداداً لروح صاحبها.
وبين بياض الورقة وحبر القلم، يقول إنه ما يزال يبحث عن الجمال.
وفي ختام حديثه لـ مؤسسة جولان الإعلامية، وجّه الحربي رسالة إلى المؤسسات الثقافية في سورية عموما ، مشيراً إلى أن معظم الاهتمام الفني والثقافي يتركز في دمشق، بينما تبقى محافظات أخرى، ومنها الحسكة، مهمشة. وأعرب عن أمله في أن تحظى هذه المناطق بمزيد من الاهتمام، سواء عبر إنشاء مراكز فنية أو إقامة فعاليات ثقافية تسلط الضوء على الفنانين المحليين وتمنحهم فرصة الظهور.
- بثينة الخليل











