كاريكاتير مولد بالذكاء الاصطناعي خاص مؤسسة جولان

لم يعد من السهل تعريف المواطن السوري كما كان الأمر قبل سنوات. في السابق كان التعريف بسيطاً: شخص يعيش في بلد اسمه سوريا، يعمل في وظيفة محددة، ويعود إلى بيته في المساء لينشغل بأمور حياته العادية. لكن السنوات الطويلة التي مرت على السوريين فعلت ما لم تفعله كتب علم الاجتماع ولا نظريات السياسة. لقد أعادت تشكيل المواطن نفسه، وحولته إلى كائن متعدد الوظائف، يعمل في أكثر من مهنة في الوقت ذاته، ويؤدي أدواراً لم يخترها، لكنها فُرضت عليه بحكم العيش في بلد عاش كل أنواع الأزمات دفعة واحدة.

السوري اليوم ليس مجرد موظف أو تاجر أو عامل. هو، في الوقت نفسه، خبير اقتصادي شبه محترف. لا يحتاج إلى نشرات البنوك المركزية ولا إلى تقارير المؤسسات المالية الدولية ليقرأ المشهد الاقتصادي. يكفي أن يسأل عن سعر الدولار في الصباح، وعن سعره بعد الظهر، ليعرف إلى أين تتجه الأمور. خلال سنوات قليلة أصبح السوري قادراً على قراءة مؤشرات التضخم من حركة السوق، وعلى تفسير تقلبات العملة المحلية كما لو أنه خبير في أسواق الصرف. كثيرون في العالم يدرسون الاقتصاد في الجامعات لسنوات طويلة، بينما تعلم السوري هذا العلم القاسي في الشارع، من خلال تجربة يومية مع الأسعار والرواتب والقدرة الشرائية.

وفي الوقت ذاته، أصبح السوري مهندس كهرباء بطريقة غير معلنة. ليس لأنه درس الهندسة، وإنما لأنه اضطر إلى التعايش مع واقع معقد من التقنين والانقطاع وعدم الاستقرار في الخدمات. يعرف السوري ساعات الكهرباء بدقة، ويضبط يومه وفق جدول غير مكتوب للطاقة. يخطط لمواعيد عمله، وشحن هاتفه، وتشغيل أجهزته المنزلية، وفق خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من المراقبة اليومية للتيار الذي يأتي ويذهب. قد لا يكون هذا علماً أكاديمياً، لكنه خبرة عملية لا يمكن إنكارها.

ثم هناك جانب آخر من التحول الذي أصاب المواطن السوري. لقد تحول أيضاً إلى محلل عسكري دون أن يقصد ذلك. سنوات الحرب الطويلة علمته قراءة أصوات الطائرات، والتمييز بين أنواع القصف، وفهم الإشارات الأولى لأي تصعيد عسكري. كثير من السوريين يستطيعون أن يميزوا بين صوت الطائرة الحربية وصوت الطائرة المروحية من مجرد سماعها في السماء. هذه ليست مهارة يتعلمها الناس في الظروف الطبيعية، لكنها أصبحت جزءاً من ذاكرة يومية تشكلت تحت ضغط الخوف والتجربة.

ومع مرور الوقت، وجد السوري نفسه يؤدي دور الطبيب النفسي أيضاً.  لأنه اضطر إلى التعامل مع قدر هائل من الضغوط والتوتر والقلق، سواء في حياته الشخصية أو في حياة من حوله. في مجتمع عاش الحرب والنزوح والفقدان، أصبح كل شخص تقريباً مستمعاً لآلام الآخرين، وناصحاً لهم، ومسانداً لهم بطريقة أو بأخرى. لقد نشأت شبكة غير رسمية من الدعم النفسي داخل المجتمع نفسه، لأن الظروف لم تترك خياراً آخر.

أما في المجال السياسي، فقد تحول السوري أيضاً إلى قارئ دائم للجغرافيا السياسية. يتابع الأخبار الدولية، ويحلل المواقف الإقليمية، ويحاول أن يفهم كيف يمكن لقرار يتخذ في عاصمة بعيدة أن يؤثر على حياته اليومية. لم يعد الخبر السياسي بالنسبة إليه مادة للنقاش فقط،  أصبح عنصراً من عناصر حساباته اليومية. سعر الوقود، حركة الحدود، قيمة العملة، وحتى توفر بعض السلع الأساسية، كلها أمور قد تتغير تبعاً لقرار سياسي لا علاقة مباشرة له بحياته الشخصية.

هذه التحولات كلها لم تكن خياراً حراً للمواطن السوري. لم يجلس أحد ليقرر أنه يريد أن يصبح خبير اقتصاد، أو مهندس كهرباء، أو محللاً عسكرياً، أو مراقباً دائماً للأحداث الدولية. الظروف وحدها هي التي فرضت هذه الأدوار. ومع مرور الوقت، أصبحت جزءاً من شخصية المجتمع نفسه.

في الجامعات حول العالم توجد تخصصات كاملة تدرس ما يسمى «إدارة الأزمات» . يدرس الطلاب فيها كيفية التعامل مع الانهيارات الاقتصادية، والكوارث، والحروب، والتغيرات المفاجئة في المجتمعات. لكن المفارقة أن ملايين السوريين مارسوا هذا العلم بطريقة مختلفة تماماً. لم يقرأوا عنه في الكتب، عاشوه بشكل يومي، وتعلموه خطوة خطوة، في حياتهم العادية.

ولهذا ربما يمكن القول إن المشكلة في سوريا اليوم ليست نقص الخبراء كما يعتقد كثيرون. على العكس تماماً. البلد مليء بالخبرات التي صنعتها التجربة القاسية. المشكلة الحقيقية أن المواطن نفسه أصبح يقوم بكل هذه الأدوار دفعة واحدة، وأن الحياة العادية التي كان يفترض أن يعيشها الناس تحولت إلى مهمة مؤجلة.

في كل مكان من هذا العالم، يعيش المواطن حياة بسيطة: يعمل في وظيفة واحدة، ويعود إلى بيته لينشغل بأسرته وأصدقائه وأحلامه الصغيرة. أما في سوريا، فقد أصبح المواطن شيئاً آخر تماماً. مؤسسة كاملة تمشي على قدمين، تؤدي عشرات الأدوار في وقت واحد.

وربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة هنا تحديداً:  كيف نعيد للمواطن حقه في أن يكون مجرد مواطن؟؟

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top