(استنادًا إلى قراءة للباحث الفلسطيني ماجد عزام)
تُظهر التطورات الأخيرة في المنطقة، بعد اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، تحوّلاً ملحوظاً في نبرة الموقف التركي، من دون أن يعني ذلك تغييراً جذرياً في أسسه. فأنقرة لا تزال متمسكة بالمبادئ نفسها التي حكمت مقاربتها للأزمة الإيرانية خلال السنوات الماضية، لكنها رفعت مستوى خطابها السياسي في ما يتعلق بما ينبغي على الأطراف المعنية، وخصوصاً النظام الإيراني، القيام به لتجاوز تداعيات الحرب وتفادي آثارها المدمرة على إيران نفسها وعلى تركيا والمنطقة بأسرها.
وبحسب قراءة الباحث الفلسطيني ماجد عزام، فإن الموقف التركي يستند أساساً إلى رفض الخيار العسكري والعقوبات الاقتصادية والحصار المفروض على إيران، مع تفضيل واضح للحلول الدبلوماسية والحفاظ على الأزمة ضمن إطار التفاوض بدلاً من الانزلاق إلى المواجهة العسكرية.
قبل اندلاع الحرب مباشرة، سعت تركيا إلى لعب دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة، وقدّمت نصائح علنية، إضافة إلى قنوات التواصل المفتوحة مع كل من واشنطن وطهران. ومن أبرز المبادرات التي طُرحت في هذا السياق اقتراح لقاء ثلاثي على مستوى القمة بين الولايات المتحدة وإيران وتركيا، طرحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووافق عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غير أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رفضه، في ظل محدودية صلاحياته الفعلية أمام نفوذ المرشد الأعلى والحرس الثوري في بنية السلطة الإيرانية.
وترى القراءة أن بزشكيان، رغم كونه المسؤول المنتخب الوحيد عبر اقتراع شعبي، بقي مهمشاً نسبياً ضمن نظام سياسي تتحكم فيه مؤسسات غير منتخبة، مثل مجلس صيانة الدستور الذي سبق أن رفض ترشح شخصيات بارزة، بينها علي لاريجاني، للانتخابات الرئاسية.
بالتوازي مع تلك المساعي الدبلوماسية، حذّرت أنقرة مراراً من التداعيات الخطيرة لأي مواجهة عسكرية مع إيران، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل أيضاً على الأمن القومي التركي. فتركيا تشترك مع إيران بحدود طويلة تمتد لنحو 550 كيلومتراً، ما يجعلها عرضة مباشرة لارتدادات الحرب، سواء عبر موجات لجوء جديدة أو عبر احتمال تنشيط الجماعات المتطرفة أو المشاريع الانفصالية في المنطقة.
كما أن التوترات العسكرية تهدد، من وجهة النظر التركية، الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، بما في ذلك الاستثمارات وحركة التجارة وسلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة. ورغم أن تركيا تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من النفط والغاز من روسيا وأذربيجان والعراق، بعيداً من مضيق هرمز، إلا أن أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية ينعكس على اقتصادها.
وفي هذا السياق، نقلت القراءة عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انتقادات واضحة لأداء القيادة الإيرانية في إدارة الأزمة. إذ يرى أن طهران كان يمكنها تجنّب الحرب لو أنها تعاملت بمرونة أكبر مع الضغوط السياسية التي يواجهها الرئيس الأميركي في عملية اتخاذ القرار، وقدّمت تنازلات استباقية تقلّل من تأثير الضغط الإسرائيلي في واشنطن.
كما يشير فيدان إلى أن الدخول في مواجهة عسكرية مع قوتين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل يتطلب امتلاك قدرات متقدمة في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي وسلاح الطيران والفضاء السيبراني، وهو ما لم يكن متوافراً بالقدر الكافي لدى إيران.
ورغم اندلاع الحرب، تؤكد تركيا استمرار رفضها للحل العسكري، كما تنتقد في الوقت نفسه الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج والأردن. وتطرح أنقرة خريطة طريق تقوم على وقف الحرب أولاً، ثم تحديد أهدافها بدقة، مع التمييز بين العمليات العسكرية المحدودة وبين أي مشروع لتغيير النظام الإيراني، وهو السيناريو الذي تعتبره تركيا كارثياً على استقرار المنطقة.
وفي تقييمها للمشهد الجديد، ترى أنقرة أن كثيراً من الملفات الخلافية الكبرى قد تراجعت عملياً عن طاولة التفاوض. فالمشروع النووي الإيراني تعرض لضربات أعادته سنوات إلى الوراء، وكذلك برنامج الصواريخ الباليستية، فيما تراجعت فعالية الشبكة الإقليمية من الحلفاء والوكلاء، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن، في ظل تحولات سياسية وأمنية داخل تلك الدول.
وبناءً على ذلك، تشير القراءة إلى أن على القيادة الإيرانية “المتجددة” أن تسعى إلى تسهيل مسار التسوية، عبر تقديم تنازلات تسمح برفع العقوبات الاقتصادية تدريجياً، مع إدراك أن إدارة البلاد بعد الحرب لن تكون كما كانت قبلها. ويتطلب ذلك توسيع هامش الحريات السياسية وإشراك أطراف أوسع في الحياة العامة، حتى من داخل التيار المحافظ نفسه.
في المقابل، تؤكد تركيا – وفق هذه القراءة – أنها ستظل داعمة لفكرة اندماج إيران في منظومة الأمن الإقليمي، بعيداً عن التدخلات الخارجية، باعتبارها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، فإن إعادة بناء هذا الدور ستتطلب وقتاً طويلاً، خاصة بعد الضربات العسكرية والاقتصادية التي تلقتها طهران.
وتخلص القراءة إلى أن المنطقة قد تتجه نحو مرحلة جديدة من الانفتاح الحذر تجاه إيران “الضعيفة والمتجددة”، حيث ستنهمك طهران لسنوات، وربما لعقود، في معالجة تداعيات الحرب وإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
[00:35، 2026/3/10] بثينة الخليل: @فادي الأصمعي
- بثينة الخليل






