لا يطرح مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي مجرد سؤال عن خليفته، بل يفتح باباً أوسع يتعلق بمصير النظام الذي تأسس على يد آية الله الخميني عام 1979. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص المرشد بقدر ما ترتبط بقدرة “الخمينية” نفسها على الاستمرار بعد غياب رموزها التاريخيين.
على مدار أكثر من أربعة عقود، تحولت الجمهورية الإسلامية تدريجياً من مشروع ثوري تعبوي إلى نظام بيروقراطي أمني ثقيل. الشعارات التي حركت الشارع الإيراني في أواخر سبعينيات القرن الماضي لم تعد تمتلك الزخم ذاته لدى جيل شاب يعيش في عالم مفتوح على الإنترنت، ويقارن واقعه اليومي بمعايير مختلفة عن تلك التي صاغت خطاب الثورة. ومع غياب خامنئي، يسقط آخر ظل مباشر لمرحلة التأسيس، لتبقى مؤسسات الدولة وحدها في مواجهة سؤال الشرعية.
في هذا السياق، تبدو موازين القوة داخل النظام أكثر وضوحاً. فالمؤسسة الأكثر تنظيماً ونفوذاً ليست المؤسسة الدينية، بل الحرس الثوري، الذي تحول خلال العقود الماضية إلى لاعب سياسي وأمني واقتصادي واسع التأثير. لذلك، فإن مستقبل النظام لن يتحدد فقط عبر المؤسسات الدستورية، بل عبر القرار الذي ستتخذه هذه المؤسسة: هل تمضي في تشديد القبضة الأمنية وتعزيز خطاب المواجهة، أم تتجه نحو براغماتية تسمح بإعادة تعريف هادئة للنظام من الداخل؟
الحديث عن احتمال تحول علماني في إيران لا يعني بالضرورة قيام دولة بلا دين، بل يشير إلى إمكانية تقليص الوصاية الدينية المباشرة على السياسة. صحيح أن الدستور القائم على مبدأ ولاية الفقيه لا يتيح هذا التحول بسهولة، لكن التجربة السياسية في العالم تثبت أن الدساتير ليست نصوصاً جامدة، بل قابلة للتعديل عندما تتغير موازين القوة في المجتمع والدولة.
جيل ما بعد الثورة لا يتعامل مع عام 1979 بوصفه ذاكرة شخصية، بل كجزء من سردية رسمية. بالنسبة لهذا الجيل، تقاس شرعية النظام بقدرته على توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وحماية الحريات الأساسية، لا فقط بتاريخ الصراع مع الغرب. وعندما تتباعد الشرعية الاقتصادية عن الشرعية الأيديولوجية، يبدأ التآكل السياسي عادة من الداخل.
في المقابل، يظل البعد الخارجي عاملاً حاسماً في رسم ملامح المرحلة المقبلة. فإذا ثبت تورط إسرائيل في مقتل خامنئي، فإن القيادة الإيرانية الجديدة ستكون أمام اختبار صعب: الرد بقوة لتأكيد الردع والهيبة، أو ضبط التصعيد لتجنب مواجهة قد تزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل البلاد. المفارقة أن الخيارين يحملان مخاطر مختلفة، بين توحيد الداخل مؤقتاً عبر المواجهة، أو منح النظام فرصة لإعادة ترتيب أولوياته عبر التهدئة.
في النهاية، لم تكن الثورة الخمينية مجرد نظام حكم، بل رؤية سياسية وأيديولوجية متكاملة. لكن الرؤى تحتاج دائماً إلى رموز تمنحها الشرعية والاستمرارية. ومع غياب هذه الرموز، تتحول الأفكار إلى مؤسسات تبحث عن أسباب بقائها.
السؤال الحقيقي اليوم ليس من سيجلس على كرسي المرشد، بل ما إذا كانت إيران في القرن الحادي والعشرين لا تزال بحاجة إلى منصب يتمتع بصلاحيات مطلقة كالتي أقرها دستور الثورة. فإما أن تختار النخبة الحاكمة إعادة إنتاج النظام بصيغته الصلبة، وهو خيار قد يؤجل الأزمات دون أن يلغيها، أو أن تتجه إلى إصلاحات عميقة قد تعيد تعريف طبيعة الدولة الإيرانية.
بين هذين الخيارين تقف إيران أمام لحظة تاريخية حساسة. فالدول التي تتأخر في قراءة تحولات مجتمعها غالباً ما تجد نفسها أمام تغيرات مفاجئة لا تستطيع السيطرة عليها. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي سيلاحق طهران في السنوات المقبلة متعلقاً بمدى وفائها لإرث الخميني، بل بقدرتها على التكيف مع زمن مختلف تماماً عن الزمن الذي ولدت فيه الثورة.






