المقاتلات الأردنية اتي نفذت الضربات الأخيرة على مواقع سورية (موقع الجيش الأردني)

من المستفيد من تأزيم الحدود بين عمّان ودمشق بعد قصف الجنوب السوري؟
لم تكن الغارات الجوية الأخيرة التي نفذها سلاح الجو الأردني تحت مسمى “عملية الردع – حمود” في بلدات وقرى ريفي درعا والسويداء بالجنوب السوري، مجرد حدث أمني عابر؛ بل تحولت سريعاً إلى أزمة دبلوماسية وسياسية بالغة التعقيد. فرغم الإعلان الرسمي من جانب عمّان بأن القصف كان ضربة استباقية تستهدف تحييد خلايا تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي مرتبطة بهجوم كنيسة حمود بالكرك، إلا أن النتيجة الميدانية جاءت مأساوية ومغايرة للتوقعات، بعدما حادت الصواريخ عن أهدافها لتصيب عائلات مدنية آمنة، مسفرة عن سقوط ضحايا أبرياء بينهم نساء وأطفال.
هذا الخطأ العسكري الفادح أثار موجة عارمة من الحزن والاستنكار الشعبي والرفض القاطع للمساس بالسيادة وحرمة الدم السوري، مما دفع الحكومة في دمشق إلى اتخاذ إجراءات حازمة؛ تجسدت في تقديم احتجاج رسمي وإغلاق معبر نصيب الحدودي مؤقتاً لحين اتضاح الصورة. وفي الوقت الذي تسعى فيه القنوات الرسمية في البلدين لاحتواء الموقف المتأزم عبر التوافق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات الحادثة، يبرز السؤال الجيوسياسي الأهم في عمق هذا المشهد الملتهب: من هي الأطراف المستفيدة حقيقياً من هذا الخطأ العسكري ومن تدهور العلاقات بين الجارين الشقيقين؟
إن تفكيك خيوط هذه الحادثة وتداعياتها يشير بوضوح إلى جبهة من المستفيدين الذين تتقاطع مصالحهم الاستراتيجية والميدانية عند بقاء هذه الحدود مشتعلة، وضمان استمرار حالة الجفاء والقطيعة بين دمشق وعمّان:
الاحتلال الإسرائيلي (المستفيد الاستراتيجي الأول والأكبر)
تأتي إسرائيل في مقدمة الرابحين من أي شرخ أمني أو دبلوماسي يقع على حدودها الشمالية والشرقية. إن استمرار التوتر بين الأردن وسوريا، وتبادل الاتهامات حول اختراق السيادة أو التقصير الأمني، يعفي تل أبيب من رؤية جبهة عربية موحدة أو تنسيق أمني متماسك وقوي على طول الحدود المشتركة. تسعى إسرائيل دائماً إلى إبقاء الجنوب السوري منطقة مستنزفة، غارقة في الفوضى والأزمات المحلية والمواجهات العسكرية البينية، لأن حدوث أي تقارب واستقرار حقيقي بين الدولتين يمثل تهديداً مباشراً لأمنها ومطامعها التوسعية في الجولان السوري المحتل. تعقيد المشهد الأمني في الجنوب نتيجة هذا القصف الخاطئ يخدم تماماً الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى عزل سوريا سياسياً واقتصادياً، وإبقاء عمّان في حالة استنفار دائم وقلق مستمر على حدودها الشمالية، مما يمنع أي جهد عربي مشترك للبناء أو التنمية.
بقايا تنظيم “داعش” والشبكات الإرهابية العابرة للحدود
يُعد تنظيم بقايا “داعش” الإرهابي المستفيد الميداني المباشر من هذا الخطأ غير المقصود. فبدلاً من أن يواجه التنظيم ضغطاً أمنياً وعسكرياً منسقاً ومشتركاً من كلا الجانبين السوري والأردني، تؤدي هذه الضربة غير الدقيقة إلى توتير العلاقات البينية وإغلاق المعابر وتراجع مستوى الثقة الأمنية المتبادلة. هذا الفراغ والتلاوم الدبلوماسي يمنح الخلايا الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة مساحة أكبر للمناورة، وإعادة التموضع والانتشار في البادية والمناطق الحدودية الوعرة، مستغلة الخلافات الرسمية لتمرير مخططاتها الإجرامية وسلاحها دون خشية من وجود غرف عمليات مشتركة أو تبادل فوري للمعلومات الاستخباراتية.
شبكات تهريب المخدرات (تجار الكبتاغون)
إن نجاح أي جهد دولي أو إقليمي لمحاربة تهريب المخدرات عبر الحدود يرتكز بالدرجة الأولى على التنسيق الميداني العالي وضبط المعابر الرسمية بين الدول المتجاورة. وبوقوع هذا القصف الخاطئ وما تلاه من إجراءات أدت إلى إغلاق الحدود وتجميد الحركة التجارية، فإن “مافيا” التهريب تجد في هذه الأجواء المشحونة فرصة ذهبية لا تعوض. فالقطيعة الدبلوماسية والأمنية بين الدولتين تعني شل قنوات الاتصال الساخنة وتبادل المعلومات الفورية حول تحركات المهربين ومساراتهم، مما يسهل على عصابات الكبتاغون والتهريب اختراق الحدود بحرية أكبر، مستغلة انشغال الجيوش بالنواحي السياسية والعسكرية الناجمة عن الغارات.
الحسابات الرقمية المشبوهة وأبواق التحريض الإلكتروني
على هامش الرماد والدماء، تنشط طفيليات الفتنة على منصات التواصل الاجتماعي حيث استغلت حسابات مأجورة وأخرى وهمية مشاعر الغضب الشعبي السوري لضخ خطابات كراهية متبادلة وتأجيج النعرات الإقليمية. تستهدف هذه الحملات الممنهجة تشويه النسيج الاجتماعي المشترك وجيرة الدم والنسب والتاريخ التي تربط الشعبين السوري والأردني منذ مئات السنين. هذه الجهات تستفيد من حصد المشاهدات (التريند) وتعميق الانقسام المجتمعي وبث السرديات التحريضية التي تباعد بين أبناء المنطقة الواحدة وتخدم الأجندات الخارجية لتقسيم المنطقة.
إن دماء المدنيين الأبرياء في الجنوب السوري الذين سقطوا جراء هذا الخطأ العسكري هي مأساة حقيقية وجرح غائر لا يمكن القبول بتبريره تحت أي مسمى؛ فحماية الأمن القومي ومواجهة الإرهاب تتطلبان أعلى درجات الحكمة والتعاون المؤسسي الدقيق، لا الاستهداف العشوائي الذي يودي بحياة الأبرياء ويزعزع استقرار الجيران.
ولعل المسارعة الرسمية من الطرفين لتشكيل اللجنة الأمنية المشتركة تُظهر إدراكاً متقدماً لدى قيادة البلدين بأن البديل عن التنسيق والتفاهم المشترك هو ترك الساحة الحدودية مفتوحة على مصراعيها لإسرائيل ولعصابات الإرهاب والتهريب، ليكونوا هم الرابح الوحيد على حساب الدم، السيادة، والأمن القومي العربي.

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top