شيوخ عقل طائفة الموحدين الدروز في الجولان المحتل (بواسطة سلامي عباس)
أعادت انتخابات الكنيست الإسرائيلي، الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026، تسليط الضوء على معضلة يواجهها أبناء الجولان السوري المحتل بين الحصول على الجنسية الإسرائيلية وما توفره من تسهيلات للسفر والعمل والدراسة، والتمسك بهويتهم الوطنية السورية. ويرى الناشط السياسي والاجتماعي الدكتور “علي أبو عواد”، في تصريح خاص لمؤسسة جولان، أن الظروف المعيشية والسياسية، ولا سيما بعد أحداث السويداء في تموز، تزيد تعقيد الخيارات أمام السكان، ولا تجعل طلب الجنسية بالضرورة تعبيراً عن التخلي عن الانتماء السوري.

الجنسية الإسرائيلية.. خيارات تفرضها الحياة اليومية

قال “أبو عواد” إن صعوبات السفر والتنقل ومتابعة الدراسة والعمل تدفع بعض أبناء الجولان إلى التفكير في الحصول على الجنسية الإسرائيلية، في ظل القيود التي تواجههم عند السفر إلى دول أخرى ومحدودية الخيارات المتاحة أمام الشباب.

وأوضح أن هذه الدوافع لا تعني بالضرورة تغيير الهوية الوطنية أو الموقف من الاحتلال، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين الحصول على الجنسية لأسباب معيشية وبين المشاركة في انتخابات الكنيست بوصفها خياراً سياسياً.

وتضع هذه الظروف بعض أبناء الجولان أمام معادلة معقدة؛ إذ توفر الجنسية تسهيلات عملية في حياتهم اليومية، بينما تظل مسألة الانتماء الوطني السوري منفصلة عن الوضع القانوني الذي يحملونه.

أحداث السويداء تزيد تعقيد معادلة الهوية

وربط أبو عواد النقاش حول الجنسية والمشاركة الانتخابية بالتطورات التي شهدتها سوريا، ولا سيما أحداث السويداء في تموز الماضي، معتبراً أن المخاوف التي أثارتها قد تؤثر في حسابات بعض السكان، وتزيد صعوبة الموازنة بين متطلبات الحياة اليومية والتمسك بالهوية الوطنية.

وحذّر من توظيف مخاوف أبناء الطائفة الدرزية ومعاناتهم في المنافسة السياسية الإسرائيلية، معتبراً أن الظروف التي يمر بها السوريون لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لكسب التأييد الانتخابي.

المشاركة في الانتخابات لا تختصر موقف المجتمع الجولاني

وشدد “أبو عواد” على أن المشاركة في انتخابات الكنيست لا تمثل بالضرورة موقف المجتمع الجولاني بأكمله، محذراً من تعميم دلالاتها السياسية على جميع السكان أو اعتبارها مؤشراً حاسماً على تبدل هويتهم الوطنية.

وفي سياق الانتخابات الإسرائيلية، بلغت نسبة المشاركة العامة 55.7% حتى الساعة الرابعة عصراً بالتوقيت المحلي، وفق الأرقام الواردة في المادة المتاحة، وسط سباق انتخابي متقارب وشكاوى بشأن مخالفات في عدد من مراكز الاقتراع. ولم تكن الصناديق قد أُغلقت عند تحديث المعلومات الواردة، لذلك لم تكن النتائج النهائية قد ظهرت بعد.

وتكشف قضية الجنسية والمشاركة الانتخابية عن تداخل الضغوط المعيشية مع الخيارات السياسية لدى أبناء الجولان السوري المحتل، من دون أن يعني اتخاذ خيار قانوني أو عملي بالضرورة التخلي عن الهوية الوطنية السورية.

كيف تُجرى انتخابات الكنيست؟ وأين يقف دروز الجولان من المشاركة؟

تُجرى انتخابات الكنيست الإسرائيلي لاختيار 120 عضواً، ويحق التصويت فيها للمواطنين الإسرائيليين الذين يستوفون الشروط القانونية، فيما لا يملك معظم أبناء الجولان السوري المحتل، ممن يحملون الإقامة الدائمة ولا يحملون الجنسية الإسرائيلية، حق التصويت في الانتخابات البرلمانية. ويعني ذلك أن المشاركة الانتخابية داخل القرى الدرزية الأربع — مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية — تقتصر على السكان الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، خلافاً للانتخابات المحلية التي يمكن للمقيمين الدائمين المشاركة فيها وفق الشروط المعمول بها.

من المقاطعة إلى مشاركة محدودة

ارتبطت المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية لدى قطاعات من أبناء الجولان بموقفهم من الاحتلال وتمسكهم بالهوية السورية، وشهدت انتخابات المجالس المحلية عام 2018 مقاطعة واسعة؛ إذ لم يصوّت في مجدل شمس سوى 272 شخصاً، وفق تقرير نشرته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”. وفي انتخابات الكنيست، ظل التصويت محدوداً بين أبناء القرى الأربع، كما أظهرت بيانات انتخابات عام 2022.

وبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة عن انتخابات 2022، بلغت المشاركة بين الناخبين المؤهلين 23% في مجدل شمس، حيث أدلى 312 شخصاً بأصواتهم، و22% في مسعدة بواقع 101 ناخب، و25% في بقعاثا بواقع 190 ناخباً، و15% في عين قنية بواقع 31 ناخباً. وتعكس هذه الأرقام المشاركة بين المؤهلين للتصويت، لا نسبة السكان الإجمالية.

الجنسية توسّع دائرة الناخبين

شهدت طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية ارتفاعاً في السنوات الأخيرة. ووفق تقرير نشرته “تايمز أوف إسرائيل” في عام 2024، حصل نحو 6 آلاف من أصل أكثر من 29 ألفاً من أبناء الطائفة الدرزية في الجولان على الجنسية الإسرائيلية، استناداً إلى بيانات سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية آنذاك. ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة الوضع الحالي، لكنها توضح اتساع قاعدة السكان الذين أصبحوا مؤهلين للمشاركة في الانتخابات البرلمانية.

وأعادت أحداث السويداء في تموز 2025 طرح مسألة الجنسية بصورة أكثر إلحاحاً، وفق تقرير نشرته الصحيفة قبيل انتخابات 2026، أشار إلى ارتفاع طلبات التجنّس بعد تلك الأحداث. غير أن الحصول على الجنسية لا يعني بالضرورة أن جميع حامليها يتبنون موقفاً سياسياً واحداً، كما لا تسمح أرقام المشاركة وحدها باستنتاج تبدل الهوية الوطنية لدى المجتمع الجولاني.

وتبقى أهمية مشاركة دروز الجولان في انتخابات الكنيست مرتبطة بحجمها الفعلي وبالخيارات السياسية للناخبين المؤهلين، فيما تظل قراءة دلالاتها على الهوية السورية موضع نقاش، في ظل التداخل بين الحقوق القانونية ومتطلبات الحياة اليومية والمواقف من الاحتلال.

وتلقي أحداث السويداء الدامية في تموز بظلالها على النقاش الدائر بين أبناء الدروز في الجولان السوري المحتل بشأن الجنسية الإسرائيلية والهوية الوطنية، وسط تباين في قراءة المواقف الصادرة عن تيارات في السويداء محسوبة على الشيخ حكمت الهجري. ويرى منتقدو هذه المواقف أن توظيف أحداث العنف ومخاوف السكان في الخطاب السياسي قد يفتح الباب أمام استثمار معاناة الدروز لتحقيق مكاسب سياسية، على حساب الروابط التاريخية التي تجمعهم بالأرض والهوية السورية. وفي المقابل، لا يمكن اختزال مواقف أبناء الطائفة الدرزية في سوريا والجولان باتجاه سياسي واحد، أو اعتبار مواقف بعض القوى ممثلةً للجميع. وبين المخاوف التي خلفتها أحداث تموز والضغوط المعيشية التي تواجه أبناء الجولان، تبقى المسألة أكثر تعقيداً من مجرد اختيار الجنسية أو المشاركة في الانتخابات؛ فهي تتصل أيضاً بكيفية الحفاظ على الانتماء السوري وصون العلاقة التاريخية بالأرض، بعيداً عن توظيف المآسي في التجاذبات السياسية.

 
  • محمد جابر

شارك المنشور

تصفح أيضا في موقعنا

Scroll to Top