في لحظة سياسية إسرائيلية مضطربة، اختار وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أن يفتح بوابة التحريض من الجنوب السوري، عبر تصريحات حاول من خلالها تحويل السويداء والمكوّن الدرزي إلى مادة انتخابية تخدم الليكود.
كاتس قدّم رواية تتهم القيادة السورية بـ”تجهيز العشائر العربية وقوات الأمن الداخلي والجيش السوري لاستئناف الهجمات ضد الدروز”، وربط هذا السيناريو بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، مدّعياً أن الرئيس السوري “ينتظر خسارة نتنياهو للتحرك مجدداً”.
هذا الخطاب لم يكن معزولاً عن سياق أوسع؛ إذ جاء في إطار حملة انتخابية يسعى فيها الليكود إلى استثمار الهواجس داخل الطائفة الدرزية في إسرائيل والجولان المحتل، عبر تصوير دمشق كتهديد مباشر، وتقديم الاحتلال كطرف “حامٍ” للأقليات، رغم أن الوقائع الميدانية في الجنوب تكشف أن إسرائيل كانت الطرف الأكثر تورطاً في زعزعة استقرار السويداء خلال العام الماضي.
ومن هذه النقطة تحديداً يتبدّى الرابط الطبيعي نحو الموقف السوري، إذ إن دمشق لم تتعامل مع تصريحات كاتس بوصفها مجرد دعاية انتخابية، بل باعتبارها امتداداً لمسار تدخلات إسرائيلية في الجنوب، ومحاولة لإعادة فتح ملف السويداء من بوابة التحريض الطائفي.
لذلك جاء التأكيد الرسمي على أن “المكوّن الدرزي في محافظة السويداء كان وسيظل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري”، وأن أي محاولة لزجه في الدعاية الإسرائيلية هي محاولة مرفوضة، لأن السويداء ليست ورقة انتخابية ولا ساحة نفوذ خارجي، بل جزء من وحدة الدولة السورية.
هذا الربط بين تصريحات كاتس وبين وحدة النسيج الوطني يعكس إدراكاً سورياً بأن إسرائيل تحاول إعادة إنتاج خطاب «حماية الأقليات» لتبرير تدخلاتها في الجولان والجنوب، وهو خطاب استخدمته تل أبيب تاريخياً في لحظات سياسية مشابهة.
ومن هنا ينتقل المشهد بسلاسة إلى ما هو أعمق من التصريحات، أي إلى الوقائع التي تتهم دمشق فيها إسرائيل بمحاولة إشعال السويداء في تموز الماضي عبر “تسليح ميليشيا خارجة عن القانون لافتعال فوضى عارمة واختلاق ذريعة لجر البلاد إلى حرب واسعة”.
هذا الاتهام لا يأتي كاستدعاء لأحداث قديمة، بل كإطار يفسّر لماذا ترى دمشق في تصريحات كاتس محاولة لإحياء مشروع سبق أن فشل.
فالحكومة السورية تقول إنها «أفشلت المخطط»، لكنها «ما زالت تشهد محاولات إسرائيلية حثيثة لزعزعة الاستقرار»، ما يجعل تصريحات كاتس جزءاً من سياق مستمر، لا مجرد خطاب انتخابي عابر.
وتتعمّق الصورة أكثر عند استحضار ما جرى في تموز الماضي، حين أعاق القصف الإسرائيلي دخول القوات السورية لإنهاء الاشتباكات بين الدروز والبدو، قبل أن تتدخل وساطة أمريكية لوقف القصف.
هذا التفصيل يفتح الباب أمام فهم أوسع لطبيعة الجنوب اليوم، حيث تعمل دمشق مع الولايات المتحدة والأردن على تطبيق «خارطة الطريق الثلاثية» لإعادة إدماج السويداء ضمن رؤية وطنية تضمن الأمن والاستقرار.
وهنا يصبح واضحاً أن الجنوب لم يعد مجرد منطقة فصل قوات، بل ساحة ترتيبات أمنية إقليمية تتداخل فيها الحسابات السورية والأمريكية والأردنية، بينما تحاول إسرائيل القفز فوق هذه التفاهمات عبر التصعيد والخروقات والتوغلات.
ومن هذا المستوى الإقليمي، يتقدّم المشهد نحو الإطار القانوني الذي تستند إليه دمشق في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، إذ تطالب المجتمع الدولي والولايات المتحدة ودول المنطقة بالضغط على إسرائيل لتطبيق اتفاقية فصل القوات لعام 1974 ومنعها من التدخل في الشؤون الداخلية السورية.
هذا المطلب ليس مطلباً ثانوياً، بل جزء من معركة سياسية وقانونية تخوضها دمشق في ظل واقع ميداني عنوانه مئات الغارات الجوية والمدفعية، وتوغلات متكررة داخل الأراضي السورية، ومحاولات إسرائيلية لتكريس احتلال الجولان وتوسيع نطاق السيطرة بعد سقوط النظام السابق.
وعند هذه النقطة، يصبح من الطبيعي الانتقال إلى الخطاب السوري في الأمم المتحدة، حيث أكد الرئيس أحمد الشرع أن الجولان «سيبقى أرضاً سورية»، وأن إجراءات ضمه “باطلة”، مطالباً بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل ديسمبر 2024.
هذا الخطاب يعيد وضع التصعيد الإسرائيلي في سياق صراع على السيادة، لا في سياق «حماية الدروز» كما يحاول كاتس تصويره، ويكشف أن تل أبيب تستخدم الجنوب السوري كمنصة انتخابية، بينما تستخدم دمشق الشرعية الدولية كمنصة سياسية مضادة.
وفي المحصلة، يتشكّل المشهد السياسي في الجنوب السوري كمسار مترابط لا يمكن فصل حلقاته: تصريحات كاتس ليست سوى محاولة لتوظيف السويداء انتخابياً؛ الرد السوري ليس مجرد نفي، بل إعادة تأطير للمشهد ضمن وحدة الدولة؛ الاتهامات المتبادلة تستند إلى وقائع ميدانية شهدت تدخلات إسرائيلية مباشرة؛ التفاهمات الثلاثية مع واشنطن وعمان تعكس تعقيداً إقليمياً يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي؛ واتفاقية 1974 تبقى الإطار
القانوني الذي تحاول دمشق تثبيته في مواجهة محاولات الاحتلال لتكريس واقع جديد في الجولان.
وبين هذه العناصر جميعاً، يبقى الجنوب السوري ساحة اشتباك مفتوحة، تتداخل فيها الدعاية الانتخابية الإسرائيلية مع حسابات الاحتلال العسكرية، بينما تحاول دمشق تثبيت معادلة السيادة في مواجهة خروقات وتوغلات وقصف لا ينفصل عن مشروع إسرائيلي أوسع لتوسيع نفوذه في الجولان والجنوب.












