مطار المزة العسكري أرشيف

ليس كل مكان يمكن أن يتحول إلى مشروع استثماري، وليس كل أرض شاغرة يمكن أن تُقاس قيمتها بالمتر المربع. هناك أماكن تحمل في ترابها ذاكرة الضحايا، وفي جدرانها آثار الجرائم، وفي زواياها أسرار آلاف المعتقلين والمفقودين. ومطار المزة العسكري واحد من هذه الأماكن.

اليوم، ومع الحديث عن إعادة تأهيل مطار المزة العسكري وتحويله إلى منشأة مدنية مخصصة للطيران الخاص ورجال الأعمال، يبرز سؤال أكبر من الاستثمار وأبعد من الاقتصاد: هل يجوز البدء بمشروع عمراني في موقع قد يحتوي على أدلة جنائية ومقابر جماعية محتملة قبل استكمال التحقيق والتوثيق؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يكون محل خلاف سياسي. إنه سؤال قانوني وإنساني قبل كل شيء.

المزة ليست أرضاً عادية

لسنوات طويلة، ارتبط مطار المزة العسكري بأجهزة أمنية ومراكز احتجاز تابعة للنظام البائد. وتشير وثائق حديثة حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة واطلعت عليها رويترز إلى أن المطار استُخدم، وفق تلك الوثائق، في منظومة تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين، كما كشفت الوثائق عن مقترحات لنقل تنفيذ الإعدامات من سجن صيدنايا إلى المزة باعتباره مجمعاً أمنياً مغلقاً.

كما أعلن المركز السوري للعدالة والمساءلة أنه حدد موقعين يُشتبه بوجود مقابر جماعية فيهما داخل حرم المطار، وأرسل إحداثياتهما إلى الجهات المعنية، مطالباً بمنع الحفر والبناء إلى حين إجراء التحقيقات اللازمة.

إذا كانت هذه المعلومات بحاجة إلى تحقيق قضائي وعلمي، فإن النتيجة المنطقية ليست تجاهلها، بل التوقف حتى يتم التحقق منها.

الاستثمار يمكن أن ينتظر

نحن لا نقول إن سورية يجب ألا تستثمر في مطار المزة، ولا نقول إن المكان يجب أن يبقى مهجوراً إلى الأبد. بل نقول شيئاً بسيطاً: الحقيقة أولاً.

إذا كان هناك احتمال لوجود مقابر جماعية، فيجب البحث عنها. وإذا كان هناك احتمال لوجود رفات بشرية، فيجب استخراجها وفق الإجراءات العلمية وحفظ هويتها. وإذا كانت هناك وثائق أو آثار يمكن أن تساعد في معرفة مصير المعتقلين، فيجب حمايتها. وإذا كانت هناك أماكن شهدت عمليات إعدام أو تعذيب، فيجب توثيقها قبل إزالة معالمها.

بعد ذلك يمكن للدولة أن تقرر مستقبل الموقع. أما أن تبدأ الجرافات قبل أن يبدأ المحققون، فهذه مخاطرة لا تستطيع سورية تحمل نتائجها.

لا تدفنوا الأدلة تحت الإسفلت

إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط فقدان مبنى أو جدار. الخطر الحقيقي هو فقدان الدليل.

الجرافة لا تميز بين أرض عادية وموقع دفن. الإسفلت لا يعرف أن تحته رفات إنسان. المشروع الاستثماري لا يستطيع التمييز بين حجر عادي وحجر يحمل أثراً من آثار جريمة.

ولهذا فإن أي أعمال حفر أو إزالة أنقاض أو إنشاءات في موقع حساس كهذا يجب أن تخضع، قبل كل شيء، لمسح جنائي وعلمي شامل. وقد حذرت جهات حقوقية من أن أعمال الحفر وإزالة الأنقاض قد تؤدي إلى إتلاف بقايا بشرية وأدلة ضرورية للتعرف على الضحايا.

ماذا عن عائلات المفقودين؟

وراء كل مفقود عائلة. وراء كل اسم في سجل المعتقلين أم أو أب أو زوجة أو ابن. هذه العائلات لا تبحث عن الشعارات. إنها تبحث عن الحقيقة.

أين اختفى ابنها؟ أين مات؟ أين دفن؟ من أصدر الأمر؟ من نفذ؟ ومن يستطيع اليوم أن يقدم الدليل؟

وقد يكون مطار المزة، أو أجزاء منه، جزءاً من الإجابة عن هذه الأسئلة. فكيف يمكن أن نطلب من عائلة مفقود أن تنتظر الحقيقة، بينما تُهدم الأماكن التي ربما تحمل هذه الحقيقة؟

مطار المزة العسكري يجب أن يصبح ملف عدالة قبل أن يصبح ملف استثمار

إنني، من موقع قانوني ووطني، أرى أن الأولوية يجب أن تكون واضحة: إلغاء مشروع تحويل مطار المزة العسكري في هذه المرحلة، وليس بالضرورة إلغاء فكرة استثماره إلى الأبد.

الفرق كبير. الإلغاء الآن يعني حماية المكان إلى حين انتهاء التحقيقات. أما بعد انتهاء عمليات البحث والتوثيق وتحديد مواقع المقابر وحفظ الأدلة ومعالجة حقوق أصحاب الأراضي، فيمكن فتح النقاش من جديد حول مستقبل المطار.

حينها يكون الاستثمار قد جاء بعد العدالة، وليس على حسابها.

المطلوب قرار واضح

المطلوب من الجهات السورية المختصة منع أي أعمال مستقبلية من الحفر والهدم وإزالة الأنقاض في مطار المزة العسكري إلى حين انتهاء التحقيقات الجنائية والمسح الخاص بالمقابر الجماعية المحتملة، وتشكيل لجنة مستقلة تضم خبراء الطب الشرعي، والآثار الجنائية، وحفظ الوثائق، والقانون الدولي، والبحث عن المفقودين.

كما يجب إشراك عائلات الضحايا والمفقودين في عملية التوثيق، ونشر نتائج التحقيقات بشفافية.

أما حقوق أصحاب الأراضي، فهي قضية أخرى لا تقل أهمية، وينبغي حلها وفق القانون، وبما يحفظ حقوق الملكية والتعويض العادل عند الاقتضاء. وقد شهدت المنطقة بالفعل احتجاجات من سكان يطالبون بمعالجة قضايا الاستملاك وحقوق الأراضي المرتبطة بالمطار.

سورية الجديدة لا تحتاج إلى طمس الماضي

نحن نريد سورية جديدة. نريد مطارات حديثة. نريد استثمارات. نريد اقتصاداً قوياً. لكننا نريد أيضاً دولة تحترم الإنسان والقانون، والدولة التي تحترم الضحايا لا تهدم الأدلة قبل أن تحقق فيها. الماضي لا يختفي عندما نهدم جدرانه، والجريمة لا تمحى عندما نضع فوقها الإسفلت، والدماء لا تصبح أقل قيمة لأن الأرض تحولت إلى مشروع استثماري.

إن مطار المزة العسكري يجب أن يبقى محفوظاً حتى تقول العدالة كلمتها. وبعد أن تُعرف الحقيقة، وبعد أن يُبحث عن المفقودين، وبعد أن تُحفظ الرفات والأدلة والوثائق، يمكن للسوريين أن يقرروا ماذا يريدون أن يفعلوا بالمكان.

أما اليوم، فإن الأولوية ليست للطائرات الخاصة ولا للمشاريع الاستثمارية. الأولوية لمن لا يزال ينتظر ابنه. الأولوية لمن يريد أن يعرف أين دُفن والده. الأولوية للعدالة.

لذلك، فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة:

لا لأي مشروع في مطار المزة الآن

ليس رفضاً للاستثمار، وإنما احتراماً للضحايا. ليس رفضاً للمستقبل، وإنما حماية للحقيقة. ليس تمسكاً بالماضي، وإنما حتى لا يُدفن الماضي مع أدلته، لا تحولوا مطار المزة من مسرح محتمل للجرائم إلى مشروع يمحو آثارها.

دعوا التحقيق أولاً، والعدالة أولاً، ثم يأتي الاستثمار.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top