حين يفتح تلميذ في الصف الخامس الأساسي كتاب “العربية لغتي” اليوم، وتستقبله في صفحاته الأولى صور ورموز مرتبطة بمرحلة النظام البائد، لا يملك المراقب إلا أن يتوقف بمرارة أمام التبريرات الرسمية لوزارة التربية التي تحصن عجزها بعبارة جاهزة: “لا مطابع ولا إمكانيات”. يبدو السؤال هنا ملحاً ومشروعاً خارج إطار التبرير: لماذا تعجز الجهات الحكومية عن ابتكار حلول تمويلية عملية؟ كأن يتم طرح جزء من ممتلكات وسيارات أركان النظام المكدسة في مزادات علنية، لتأمين الاعتمادات المالية اللازمة لطباعة مناهج نظيفة ومتحررة، تليق بكرامة جيل ينشأ على أنقاض الحرب، بدلاً من التذرع الدائم بضيق ذات اليد واستمرار تدوير دفاتر الماضي.
لكن المعضلة الحقيقية تتكشف بوضوح أكبر حين نضع مرآة الميدان التعليمي مقابل ما يدور تحت قبة البرلمان، لنكتشف هوة سحيقة وفجوة مقلقة بين أولويات ممثلي الشعب وبين وجع المواطن والمعلم والتلميذ.
أولويات البرلمان.. من رومانسية العصا إلى مصطلحات “تأنيث التعليم”
بينما تتسابق دول العالم اليوم نحو ثورة رقمية عارمة، وتحديث المناهج، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لحماية البيئات التعليمية وتطويرها، تفاجئنا الطروحات التشريعية في سورية بمناقشات تعيدنا عقوداً إن لم يكن قروناً إلى الوراء.
فبدلاً من أن ينشغل أعضاء البرلمان بالبحث عن خطط استراتيجية لإنقاذ رواتب المعلمين المنهارة ، تلك الرواتب التي تعجز عن تأمين أبسط مقومات البقاء الإنساني وتدفع بالكفاءات نحو الهجرة القسرية، يطالعنا أحدهم باقتراح غريب لإعادة “الضرب والعقاب البدني” إلى المدارس بحجة تطبيق السنة النبوية!
استدعاء العنف الجسدي للعملية التربوية هو قراءة مشوهة ومغلوطة تماماً، فالطفل لا يُبنى بالترهيب، والعقاب البدني لا ينتج سوى شخصيات مهزوزة خائفة، وهو السبب المباشر والأبرز لتسارع معدلات التسرب المدرسي واللجوء إلى الشارع.
ولا يقل هذا الطرح غرابة عن ذلك الجدل المفتعل حول مصطلح “تأنيث التعليم” تحت قبة المجلس، وكأن أزمة قطاع التعليم الكبرى في سورية تتلخص في جنس المعلم أو الطالب، وليست في انهيار البنية التحتية، أو شح الموارد، أو نزيف الكوادر البشرية المؤهلة.
الميدان المشتعل..
وإذا غادرنا قاعات البرلمان وانتقلنا نحو الواقع الميداني في المحافظات، تتكشف الفاجعة بأقسى تفاصيلها، مثلاً ما يجري في حي غويران الشرقي بمدينة الحسكة حيث يطلق الأهالي صرخات استغاثة متكررة لمديرية التربية لتدخل عاجل ينهي أزمة إشغال “مدرسة فاطمة الزهراء” من قبل النازحين، وتأمين بديل إنساني ومناسب لهم، تمهيداً لإعادة المدرسة إلى الخدمة قبل أن تبتلع السنة الدراسية أطفالهم. فاستمرار إغلاق هذه المدرسة يلقي بوزره الثقيل وكارثته على “مدرسة سالم الخلف” المجاورة، لينذر بواقع مرعب يتمثل في فرض نظام الثلاث فترات دراسية يومياً، وهو إن حدث فسيكون بمثابة رصاصة مرتدة تقتل أي فرصة لتحصيل علمي حقيقي، وتختزل اليوم الدراسي إلى دقائق معدودات من الإرهاق، أو مدرسة الدحاديل الإبتدائية في ريف دمشق التي تعاني ليوم نقص كارثي في أساسيات التعليم، وتعرضها للسرقة عدة مرات، وهناك أمثلة كثيرة على أولوية الاحتياجات.
وفي مسرح آخر لنفس المأساة، تعيش المدارس على وقع فوضى الانفلات الأمني والتدخلات الحزبية القسرية. فقد شهدت مدرسة “عبد الرحمن الكواكبي” بالحسكة حادثة اعتداء سافر ومقلق، حين اقتحمت مجموعة من الطالبات المنتميات إلى تنظيم “الشبيبة الثورية” الحصص الدراسية لمحاولة فرض التدريس باللغة الكردية بالقوة. وتطور الأمر إلى تهجم وشتم واعتداء مباشر على مدرسة اللغة الفرنسية السيدة سمية الفيصل أثناء تأدية واجبها المهني، لمجرد رفضها الرضوخ للإملاءات غير القانونية. ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد، بل تلجأ الجهات المعتدية عن قلب الحقائق عبر تقديم شكاوى كيدية وإطلاق حملات تشويه ممنهجة عبر الصفحات المحلية لترهيب كل كادر تعليمي يحاول التمسك بالقانون والمهنية.
بينما تبقى مئات المدارس المهدمة جراء سنوات الحرب منسيّة خارج أي جدول زمني جاد لإعادة الإعمار، تاركة آلاف الأطفال يتلقون تعليمهم تحت العراء أو بين جدران متداعية لا توفر أبسط شروط السلامة.
فقطاع التعليم في سورية ليس حقل تجارب لاقتراحات بالية، ولا مسرحاً للمناكفات والمصطلحات الجانبية. إنقاذ المنظومة التعليمية يبدأ من جراحة هيكلية شجاعة وهي تحييد المدارس عن الصراعات الحزبية والفصائلية و توفير الحماية الكاملة والتقدير المادي والمعنوي للكوادر التدريسية، وتوجيه بوصلة الدولة نحو إعمار الحجر وبناء الإنسان معاً.
التعليم الحقيقي لا يُبنى بعصا الترهيب، ولا بشعارات الاستهلاك الإعلامي، بل بالعقل، والحوار، وسيادة القانون، وكرامة المعلم والتلميذ.
في ظل تشابك أزمة البنية التحتية، وتجاوزات الفصائل في الميدان، وتهميش الأولويات الاقتصادية للمعلم، أين تكمن النقطة الأكثر إلحاحاً التي يجب أن تبدأ منها حكومة الإنقاذ والجهات المعنية اليوم؟






