من دمشق إلى تدمر ودرعا والحسكة.. أزياء سورية في مشروع أصالة (موقع جولان)

تتداخل الأزياء مع الذاكرة في مشروع «الألبوم السوري» للفنانة أصالة نصري، حيث استلهمت المصممة هويدا بريدي أربعة تصاميم من دمشق وحمص ودرعا والحسكة، مستعيدةً في كل منها ملامح من التراث المحلي أو رموزه التاريخية، من الزي الشامي والصدف الدمشقي إلى زي درعا وشخصية زنوبيا المرتبطة بتدمر.

بدأت فكرة الأزياء بالتوازي مع العمل على الألبوم، بعدما أرادت أصالة أن يكون لكل محافظة سورية حضورها الخاص في المشروع. وتوضح بريدي أن البحث قاد فريق التصميم إلى ملاحظة أن الأزياء التقليدية في سوريا ترتبط غالباً بالمناطق والبيئات الاجتماعية والجغرافية أكثر من ارتباطها بالمدن، وهو ما جعل عملية اختيار الزي المناسب لكل محافظة أكثر تعقيداً.

وتشير إلى أن بعض المحافظات تتشارك في أنماط متقاربة من الأزياء، كما في اللاذقية وطرطوس، بينما تختلف الأزياء باختلاف البيئة، بين الجبل والسهل والبادية وغيرها. ومن بين النماذج التي عملت عليها بريدي اختارت دمشق وحمص والحسكة ودرعا، لكل منها مدخل مختلف إلى الذاكرة السورية.

الزي الدمشقي.. الصدف يستعيد ذاكرة الشام

في تصميم الزي الدمشقي، حافظت بريدي على القصة التقليدية للزي الشامي، كما عُرف في صورته الأصلية، مع إضافة عنصر من الحرفة الدمشقية تمثل في الصدف أو الموزاييك الدمشقي.

واعتمدت المصممة الرسمة التقليدية القديمة للصدف الدمشقي من دون تغيير، ودمجتها مع الزي الشامي، لتخرج بقطعة تجمع بين الملابس التقليدية والحرفة التي عُرفت بها دمشق.

وتقول بريدي إن تصميم الزي الدمشقي كان من أكثر القطع التي أحبتها وفخرت بها، معتبرة أن الجمع بين الموزاييك الدمشقي والزي الشامي حافظ على أصالة القطعة، مع تقديمها ضمن صورة جديدة تناسب المشروع.

وترافق التصميم مع الأغنية الخاصة بدمشق في «الألبوم السوري»، التي بقيت، بحسب بريدي، عالقة في ذاكرتها خلال أيام العمل على التصميم والتصوير.

زنوبيا.. حمص من بوابة تدمر

أما التصميم الذي يمثل حمص، فلم تتجه بريدي فيه إلى إعادة إنتاج الزي التقليدي للمدينة، بل اختارت استحضار تاريخ المنطقة من خلال شخصية الملكة زنوبيا.

وتوضح أن اختيار زنوبيا جاء من ارتباط تدمر بمحافظة حمص، ومن المكانة التي تحتلها المدينة الأثرية في التاريخ السوري. واعتمدت في تصميمها على مراجع مرتبطة بزنوبيا وتماثيلها، مستلهمة منها تفاصيل إكسسوار الرأس وبعض عناصر الصدر.

وتؤكد بريدي أن التصميم لم يكن محاولة لإعادة تقديم زي زنوبيا كما هو، وإنما لاستحضار روح الشخصية ورمزيتها التاريخية. فزنوبيا، في رؤيتها، ارتبطت بالحضور والقوة والاستقلالية والقيادة، وهي صفات أرادت المصممة أن تنتقل من تدمر القديمة إلى صورة المرأة السورية المعاصرة.

ومن هذا المنطلق، جاء اختيار أصالة لارتداء التصميم، إذ رأت بريدي في حضورها الفني والشخصي مساحة مناسبة لهذا الربط بين الرمز التاريخي والصورة المعاصرة.


درعا.. ذاكرة الطفولة تتحول إلى تصميم

يحمل الزي الدرعاوي بعداً شخصياً بالنسبة إلى بريدي، إذ استند تصميمه إلى ذكريات الطفولة وصور النساء في درعا وهن يرتدين الزي التقليدي.

وتقول إن تفاصيل هذا الزي كانت حاضرة في ذاكرتها، لذلك لم تكن بحاجة إلى بحث طويل لاستحضارها، بل عادت إلى ما ترسخ لديها من مشاهد وملامح ارتبطت بالنساء الكبيرات في السن وأزيائهن التقليدية.

وحافظت بريدي على روح الزي الدرعاوي، لكنها أعادت تقديمه بطريقة معاصرة، فحوّلت الفستان إلى قطعتين، كورسايه وتنورة، مع استخدام تقنية السّرما في التطريز اليدوي.

وتحولت تفاصيل الزي، بذلك، من ذاكرة شخصية مرتبطة بطفولة المصممة إلى قطعة فنية ظهرت ضمن مشروع يستعيد الذاكرة السورية من خلال الموسيقى والصورة والأزياء.

الحسكة.. حضور الجزيرة السورية

حضرت الحسكة أيضاً ضمن التصاميم الأربعة التي نفذتها بريدي، في محاولة لإدخال خصوصية الجزيرة السورية ضمن الصورة البصرية للمشروع.

ويأتي اختيار الحسكة في سياق فكرة أوسع اعتمدت عليها بريدي في العمل، تقوم على البحث في خصوصية كل منطقة، وعدم التعامل مع التراث السوري بوصفه نمطاً واحداً، بل باعتباره مجموعة من البيئات والعادات والأزياء التي تشكلت عبر تنوع جغرافي واجتماعي وثقافي واسع.

فريق سوري وتجربة مختلفة

شارك نحو 60 شخصاً في مراحل مختلفة من العمل على المشروع، بحسب بريدي، التي تشير إلى أن الفريق اجتمع للتصوير منذ ساعات الصباح وحتى وقت متأخر من الليل.

وتصف المصممة أجواء العمل بأنها اتسمت بالضحك والتعاون، وهو ما شكل بالنسبة إليها تجربة مختلفة عن أجواء التصوير التي اعتادت عليها خلال مسيرتها المهنية، والتي غالباً ما ترافقها حالة من التوتر والضغط.

وتقول إن اجتماع مجموعة من السوريين للعمل على مشروع يستعيد الأغنية والزي والذاكرة المحلية منح التجربة خصوصية إضافية، وجعل الأزياء جزءاً من حكاية أوسع تتناول سوريا من خلال تنوعها الثقافي.

وتعد هويدا بريدي من المصممات السوريات اللواتي ارتبطت تجربتهن بتوظيف عناصر من الموروث الشرقي في تصميم الأزياء. وأسست دار الأزياء الخاصة بها في دبي عام 1999، وقدمت مجموعاتها في عدد من المدن العربية والأوروبية، من بينها دمشق وباريس وروما ولندن وميلانو وبيروت وسانت بطرسبرغ.

وفي «الألبوم السوري»، انتقلت بريدي بين الزي التقليدي والحرفة والرمز التاريخي، لتقدم تصاميم تستند إلى الذاكرة المحلية، وتضعها في سياق بصري معاصر يرافق مشروعاً غنائياً أراد استعادة تنوع سوريا من خلال أصواتها وأغنياتها ورموزها.

 

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top