رئيس وزارء دولة الاحتلال نتنياهو في دخول غير شرعي للأراضي السورية وكالات

دخول نتنياهو  ” غير الشرعي” إلى جبل الشيخ داخل الأراضي السورية تفتح ملف ترسيخ الوجود الإسرائيلي جنوب سوريا، وسط رفض دمشق وتحذير أممي من انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.

وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، اليوم الأربعاء 9 أيلول/سبتمبر 2026، إلى قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية برفقة وزير الدفاع “يسرائيل كاتس”، في دخول ” غير شرعي” حمل رسائل تتجاوز البعد العسكري، بعدما تحدث نتنياهو عن “سيطرة مطلقة” تمتد من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك والبحر المتوسط، بينما أكدت دمشق أن الزيارة تمثل دخولاً غير شرعي إلى الأراضي السورية وانتهاكاً للسيادة والقانون الدولي.

وتأتي الزيارة بعد يوم واحد من تحذير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا من أن النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري أصبح “متزايداً ومستداماً ومترسخاً”، مشيرة إلى توغلات ودوريات ومداهمات ونقاط تفتيش وبنية عسكرية ثابتة، وإلى أن بعض الانتهاكات، بينها احتجاز مدنيين، قد ترقى إلى جرائم حرب.

نتنياهو من جبل الشيخ: “سيطرة مطلقة” تمتد إلى اليرموك

في أثناء وجوده على قمة جبل الشيخ، قال نتنياهو إن دمشق تقع أمامه ولبنان إلى جانبها، وإن إسرائيل تسيطر، وفق توصيفه، على المنطقة الممتدة “من جبل الشيخ وحتى نهر اليرموك، ومن هناك وصولاً إلى البحر المتوسط”، واصفاً ذلك بأنه “سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل”.

ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على الحديث عن إجراءات أمنية مؤقتة، بل يستخدم لغة مرتبطة بمفهوم السيطرة على مساحة واسعة من الجنوب السوري.

كما قال نتنياهو إن إسرائيل لن تسمح، بحسب تعبيره، لأي “جيش إرهابي” بترسيخ وجوده على حدودها، رابطاً استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة بما تصفه تل أبيب بضروراتها الأمنية.

جبل الشيخ.. موقع عسكري يتجاوز الجغرافيا

لا تنفصل أهمية الحدث عن الموقع الذي اختاره نتنياهو للظهور، فقمة جبل الشيخ تقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية لسوريا ولبنان والجولان، ويمنح ارتفاعها قدرة واسعة على المراقبة والإشراف على مناطق كبيرة في جنوب سوريا.

ولهذا فإن ظهور رئيس الحكومة الإسرائيلية من موقع عسكري داخل الأراضي السورية لا يحمل رسالة ميدانية فقط، بل يسلط الضوء على مسألة أكثر حساسية: إلى أي مدى يتحول الوجود العسكري الإسرائيلي الذي قُدم في بدايته باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً إلى واقع طويل الأمد على الأرض؟

إيران تدخل على خط الرسالة من الأراضي السورية

لم يتوقف خطاب نتنياهو عند الجنوب السوري، فقد ربط الحدث مباشرة بالمواجهة مع إيران، قائلاً إن المهمة الرئيسية المتبقية لإسرائيل هي هزيمة ما وصفه بـ”النظام الإرهابي في إيران”، مضيفاً أن بلاده “قريبة جداً” من حسم المواجهة، وأن “المحور” الإيراني، وفق تعبيره، سينهار.

وبذلك جمع نتنياهو في خطابه بين ثلاثة ملفات مترابطة من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية: الوجود العسكري في الجنوب السوري، منع قيام قوة مسلحة تعتبرها إسرائيل تهديداً قرب مواقعها، والمواجهة الإقليمية مع إيران.

هذه المعادلة تجعل الجنوب السوري جزءاً من تصور أمني إسرائيلي أوسع، وليس مجرد ساحة منفصلة عن الصراع الإقليمي.

دمشق: دخول غير شرعي وانتهاك للسيادة السورية

في المقابل، أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية زيارة نتنياهو إلى جبل الشيخ، ووصفت دخوله الأراضي السورية بأنه “غير شرعي”، معتبرة أن الزيارة تأتي في إطار “خطوة استفزازية” تنتهك صراحة سيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها والقانون الدولي.

وأكدت الوزارة أن استمرار التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية يمثل، وفق بيانها، “تصعيداً خطيراً” يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

وطالبت دمشق المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والدول الفاعلة بتحمل مسؤولياتها لوقف هذه الاعتداءات، والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا.. من “إجراء مؤقت” إلى واقع ميداني

بدأت القوات الإسرائيلية توسيع وجودها داخل المنطقة العازلة التي كانت تخضع لمراقبة الأمم المتحدة عقب سقوط نظام “بشار الأسد” في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وبررت إسرائيل الخطوة في حينه باعتبارات أمنية، معتبرة أن انهيار القوات السورية من مواقعها أوجد فراغاً أمنياً، وأن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 لم يعد قابلاً للتطبيق بالشكل السابق.

لكن الوجود لم يتوقف عند دخول المنطقة العازلة، وبحسب لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، توسعت العمليات الإسرائيلية لتشمل توغلات برية ودوريات ومداهمات وتفتيشاً، إضافة إلى إقامة نقاط تفتيش مؤقتة وبنية تحتية عسكرية ثابتة داخل الأراضي السورية، ولا سيما في محافظتي القنيطرة ودرعا.

وقالت اللجنة إن هذا النشاط أصبح “متزايداً ومستداماً ومترسخاً”، مشيرة إلى تأثيره على المدنيين في المناطق المتضررة.

تحذير أممي قبل زيارة نتنياهو بـ24 ساعة

جاء دخول نتنياهو في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت لجنة التحقيق الدولية قد حذرت في 8 أيلول/سبتمبر من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

وقالت اللجنة إنها وثقت احتجاز 49 سورياً، ” بينهم طفلان، (أفرج عن بعضهم على دفعات، آخرها اليوم قبل إعداد هذا التقرير، بساعات)، على يد القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مع اعتقادها بأن بعضهم نُقل عبر الحدود إلى إسرائيل.

وأشارت إلى أن بعض المحتجزين كانوا رهن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ما أثار مخاوف من تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة، معتبرة أن بعض هذه الأفعال “قد ترقى إلى جرائم حرب”.

كما وصفت اللجنة الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية بأنه “احتلال حربي”، وطالبت بوقف الانتهاكات المتعلقة بالسيادة السورية وسلامة أراضي البلاد.

في المقابل، رفضت إسرائيل توصيف اللجنة، وقالت إنها لا تمتلك أطماعاً إقليمية في سوريا، وإن عملياتها مرتبطة بأمنها في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

بين التفاوض والوجود العسكري.. أي مسار ينتظر الجنوب؟

تزداد حساسية المشهد مع استمرار الحديث عن مسار سياسي وأمني بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، في وقت تتواصل فيه التحركات العسكرية الإسرائيلية على الأرض.

وهنا تبرز معادلة يصعب تجاهلها: مسار تفاوضي يبحث الترتيبات الأمنية، بالتوازي مع واقع عسكري يتوسع داخل الأراضي السورية، فالمنطقة العازلة التي يُفترض أن تكون موضوعاً للتفاوض أصبحت محاطة بوقائع ميدانية جديدة، فيما تسعى دمشق إلى تثبيت مرجعية اتفاق 1974 ووقف التوغلات والعودة إلى المواقع التي كانت قائمة قبل كانون الأول/ديسمبر 2024.

وفي المقابل، تكرر الحكومة الإسرائيلية أن أمنها يتطلب إبقاء قواتها في مواقع استراتيجية، وخصوصاً في جبل الشيخ والمناطق المحيطة به.

دخول نتنياهو يحمل أيضاً رسالة سياسية داخل إسرائيل

يأتي الحدث قبل انتخابات الكنيست المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2026، ما يمنحها بعداً سياسياً داخلياً إلى جانب أبعادها العسكرية والإقليمية. وأشارت تقارير إلى أن الزيارة تأتي بالتزامن مع الحملة الانتخابية الإسرائيلية.

لكن اختزال الحدث في الحسابات الانتخابية وحدها سيكون تبسيطاً للمشهد؛ فالخطاب الذي أطلقه نتنياهو من جبل الشيخ جمع بين الأمن والوجود العسكري في سوريا والمواجهة مع إيران، وهي ملفات تتجاوز الاستحقاق الانتخابي إلى صلب السياسة الإسرائيلية تجاه المنطقة.

القنيطرة والجنوب أمام واقع أمني جديد

بالنسبة إلى القنيطرة ودرعا، لا تكمن أهمية دخول نتنياهو (غير الشرعي) في رمزية وصول رئيس حكومة إسرائيلية إلى جبل الشيخ داخل الأراضي السورية فحسب، وإنما في ما قد تعنيه اللغة المستخدمة والوقائع الميدانية المتراكمة لمستقبل المنطقة.

فحين يتحدث نتنياهو عن “سيطرة مطلقة” تمتد من جبل الشيخ إلى اليرموك والبحر المتوسط، بينما تقول دمشق إن ما يجري يمثل انتهاكاً للسيادة، وتصدر لجنة أممية تحذيراً من ترسخ الوجود العسكري الإسرائيلي، فإن المسألة تتجاوز حادثة زيارة واحدة.

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كان الجنوب السوري يتجه إلى مرحلة يصبح فيها الوجود العسكري الإسرائيلي أمراً واقعاً طويل الأمد، أم أن المسار السياسي الدولي سيتمكن من إعادة فرض ترتيبات عام 1974 ومنع تحول الانتشار الحالي إلى وضع دائم.

حتى الآن، لا تقدم التطورات الميدانية إجابة حاسمة. لكن دخول نتنياهو  لقلب جبل الشيخ، بالتزامن مع التصعيد في الخطاب السوري والتحذير الأممي، تؤكد أن مستقبل الجنوب السوري بات مرتبطاً بصورة متزايدة بالصراع على الأمن والسيادة والوجود العسكري في المنطقة.

  • محمد جابر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top