تراجع الغزارة المائية في درعا من 6786 إلى 960 م³/ساعة، مع جفاف نبع المزيريب ومراحل من مشروع الثورة، وسط تصاعد مخاطر الاستنزاف الجوفي.
تواجه محافظة درعا أزمة مياه تتجاوز مشكلة انقطاع الضخ أو تراجع وصول المياه إلى بعض المناطق، بعدما كشفت أرقام حديثة عن انخفاض الغزارة الإجمالية للينابيع والمشروعات المائية المركزية من 6786 متراً مكعباً في الساعة، وفق الغزارة التصميمية، إلى نحو 960 متراً مكعباً فقط، أي فاقداً يبلغ 85.9% من الغزارة التصميمية. ويتزامن ذلك مع جفاف نبع المزيريب بالكامل وجفاف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة.
ولا تشير هذه الأرقام إلى تراجع موسمي عابر، وفق المعطيات المنشورة من محافظة درعا، بل إلى تدهور تراكمي يرتبط بتراجع الهطولات والتغيرات المناخية، إلى جانب التوسع في حفر الآبار بصورة عشوائية واستنزاف المياه الجوفية.
مياه درعا.. من 6786 إلى 960 متراً مكعباً في الساعة
تكشف مقارنة الغزارة التصميمية بالغزارة الحالية حجم الفجوة التي باتت تواجهها المنظومة المائية في المحافظة. فالمشروعات صُممت على أساس تدفقات تصل إلى 6786 م³/ساعة لتلبية احتياجات السكان اليومية ومواكبة النمو السكاني، بينما لا تتجاوز الغزارة الحالية 960 م³/ساعة.
ويعني ذلك فقدان معظم الطاقة المائية التي كانت تعتمد عليها المصادر المركزية، في وقت يزداد فيه الضغط على الآبار والمصادر البديلة لتأمين مياه الشرب والري.
ويبرز جفاف “نبع المزيريب” بوصفه أحد أبرز المؤشرات على هذا التراجع، إلى جانب جفاف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة، وفق البيانات المنشورة في 7 و8 أيلول 2026.
لماذا تتراجع الموارد المائية في درعا؟
تتقاطع في أزمة المياه عوامل مناخية وبشرية تراكمت خلال سنوات. ويأتي انخفاض معدلات الهطول وارتفاع درجات الحرارة في مقدمة العوامل التي تؤثر في تغذية الأحواض الجوفية، بينما يزيد الحفر العشوائي للآبار من الضغط على المخزون المتاح.
وتحذر المعطيات المحلية من أن انتشار الآبار المخالفة يؤثر في غزارة المياه الجوفية ويبطئ عملية تجدد الأحواض، بما يجعل كميات المياه الداخلة إلى المخزون أقل من حجم الاستهلاك والسحب منه.
ولا تبدو المشكلة جديدة بالكامل. فقد كانت بيانات محلية سابقة قد ربطت تراجع بعض ينابيع درعا بالدورات المناخية الجافة والهبوط المستمر في مناسيب المياه الجوفية، إلى جانب الحفر الجائر للآبار قرب الينابيع ومصادر مياه الشرب.
الآبار المخالفة.. ضغط إضافي على المخزون الجوفي
مع تراجع الينابيع، تحولت الآبار إلى أحد أهم مصادر تأمين المياه في المحافظة، لكن توسع الحفر غير المنظم جعلها في الوقت نفسه جزءاً من المشكلة.
وبحسب تصريحات لمحافظ درعا “أنور طه الزعبي”، يوجد في المحافظة نحو 600 بئر تضخ المياه إلى المدن والبلدات والقرى، فيما ساهمت حملة “أبشري حوران” في حفر وتجهيز أكثر من 100 إلى 150 بئراً إضافياً، ليصل عدد الآبار التابعة لمؤسسة المياه إلى نحو 750 بئراً. كما صودرت نحو 76 حفارة ضمن الإجراءات المتخذة للحد من الحفر المخالف.
وتشير تقديرات محلية إلى وجود أعداد كبيرة من الآبار المحفورة في المحافظة، مع اختلاف واضح بين التقديرات المتداولة، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى تشكيل لجان لإحصاء الآبار ودراسة أوضاعها وفق الأنظمة والتشريعات المائية.
الزراعة تدفع فاتورة شح المياه
لا تتوقف آثار التراجع المائي عند مياه الشرب. فالزراعة، التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل في درعا، تواجه ضغطاً متزايداً مع تراجع المياه المتاحة للري.
ويؤدي شح المصادر إلى رفع كلفة الإنتاج على المزارعين، سواء عبر الاعتماد على صهاريج المياه أو حفر آبار أعمق وتجهيزها بمضخات أكثر كلفة. كما يهدد انخفاض المياه المساحات المروية ويدفع بعض المزارعين إلى البحث عن محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، حتى عندما تكون عوائدها الاقتصادية أقل.
ومع استمرار تراجع الموارد، تصبح أزمة المياه عاملاً مؤثراً في دخل الأسر الزراعية وفي قدرة المنطقة على الحفاظ على إنتاجها الزراعي، بما يوسع الأزمة من ملف خدمي إلى تحد اقتصادي وغذائي.
حلول إسعافية في مواجهة أزمة طويلة الأمد
اتجهت الجهات المحلية خلال الفترة الماضية إلى حلول إسعافية لتأمين المياه، بينها حفر آبار جديدة وترميم محطات الضخ وإعادة تأهيل تجهيزات مائية. ووفق تصريحات محافظ درعا، جرى تخصيص أكثر من 3 ملايين دولار من حملة “أبشري حوران” لهذه الإجراءات.
لكن هذه الإجراءات لا تعالج وحدها مشكلة انخفاض المخزون الجوفي. فزيادة الاعتماد على الآبار في ظل تراجع تغذية الأحواض قد توفر كميات إضافية على المدى القصير، لكنها لا تضمن استدامة المصدر إذا استمر السحب بمعدلات أعلى من قدرة الطبيعة على تعويض المياه.
ولهذا تتجه الإجراءات الحكومية أيضاً إلى ضبط الآبار المخالفة. ومن المقرر تشميع الآبار غير المرخصة بعد انتهاء مهلة الإبلاغ المحددة في 16 أيلول 2026، مع التعامل مع الآبار المرخصة عبر العدادات وربط استخدامها بالخطة الزراعية.
أزمة مياه درعا تحتاج إلى إدارة للمخزون لا زيادة في الضخ
تكشف أرقام الغزارة الحالية أن مشكلة درعا لم تعد مرتبطة فقط بكيفية إيصال المياه إلى السكان، بل بحجم المياه المتاحة أصلاً. فالانتقال من 6786 إلى 960 م³/ساعة يعني أن المنظومة تعمل اليوم بقدرة مائية تقل كثيراً عن الطاقة التي صُممت عليها.
وبينما يمكن للحلول الإسعافية أن تخفف العجز مؤقتاً، فإن استدامة المياه تتطلب ضبط الحفر، حماية مصادر الشرب، تنظيم السحب الجوفي، اعتماد تقنيات ري أقل استهلاكاً، وربط أي توسع زراعي بقدرة الموارد المائية على تحمله.
في درعا، لم تعد الأرقام تحذر من نقص محتمل في المياه فحسب؛ بل توثق تراجعاً وقع بالفعل. ومع جفاف ينابيع رئيسية واستمرار الضغط على المخزون الجوفي، يصبح السؤال المطروح هو قدرة المحافظة على إدارة ما تبقى من مواردها قبل أن يتحول النقص المائي إلى عجز دائم.
- ميساء الشيخ حسين






