سوريا بلا سقف! كيف تحوّلت أزمة السكن إلى أخطر ملف اجتماعي بعد الحرب خاص مؤسسة جولان

تعيش سورية اليوم واحدة من أعقد أزمات السكن في المنطقة، أزمة لا يمكن اختزالها في ارتفاع الإيجارات أو صعوبة امتلاك بيت، بل هي نتيجة مباشرة لتراكم ثلاثة مسارات متوازية: دمار واسع في المخزون السكني بفعل الحرب، عجز بنيوي في التخطيط العمراني والتنظيمي، وسياسات إسكانية واستثمارية تحوّل السكن من حق اجتماعي إلى سلعة استثمارية موجّهة للفئات الأعلى دخلاً.

تشير تقييمات أممية حديثة إلى أن نحو ثلث المخزون السكني في البلاد متضرر أو مدمّر، وأن 89٪ من المجتمعات السورية أبلغت عن وجود أضرار في مساكنها، مع نسب دمار مرتفعة في الجنوب والشمال الغربي، حيث تحولت أحياء كاملة إلى أنقاض أو مبانٍ غير صالحة للسكن.

هذا الواقع يجعل الحديث عن “أزمة إسكان” ليس مجرد توصيفاً للحالة، بل عنواناً لأحد أكبر التحديات أمام أي مسار تعافٍ أو إعادة إعمار حقيقي.

في المدن والبلدات التي تعرضت لقصف مكثف، وصلت نسب الدمار في بعض الأحياء إلى 70٪ و90٪ من المباني، ما يعني عملياً فقدان بيئة عمرانية كاملة، وليس مجرد تهدم وحدات سكنية منفردة.

ومع أن نحو 79٪ من المساكن المتضررة تُصنّف على أنها قابلة للإصلاح، فإن عوائق التمويل وارتفاع تكاليف مواد البناء وتضرر البنية التحتية المحيطة، تجعل عملية الترميم بعيدة المنال بالنسبة لغالبية السكان الذين يعيش أكثر من 90٪ منهم تحت خط الفقر، ويعتمدون على رواتب منهكة أو أعمال غير مستقرة لا تسمح بتغطية كلفة إصلاح منزل، فضلاً عن شراء منزل جديد.

الإيجار بين استنزاف الدخل وغياب البدائل

في ظل هذا الدمار الواسع، يصبح السكن بالإيجار الخيار شبه الوحيد أمام ملايين السوريين، سواء العائدين إلى مدنهم أو النازحين داخلياً.

تشير التقديرات إلى وجود نحو 7.4 ملايين نازح داخلياً، بينهم أكثر من 1.5 مليون يعيشون في خيام أو مبانٍ غير مكتملة أو مراكز جماعية مكتظة، وهي بيئات لا تصلح للإقامة طويلة الأمد ولا توفر الحد الأدنى من الأمان والخصوصية.

في المقابل، فإن الخروج من الخيمة أو المبنى غير المكتمل إلى شقة سكنية بالإيجار، يتحول إلى أمنية ثقيلة الكلفة، لأن سوق الإيجارات يعمل بلا ضوابط حقيقية، وبلا سياسة إسكانية تحمي الفئات الأضعف.

في مراكز المدن، حيث لم يتوسع المخطط التنظيمي منذ سنوات، بقي العرض السكني الجديد محدوداً للغاية، بينما استمرت الكثافة السكانية في الارتفاع بفعل النزوح الداخلي وعودة جزء من اللاجئين.

هذا الجمود في التوسع العمراني الرسمي خلق ضغطاً هائلاً على المخزون القائم، فارتفعت الإيجارات إلى مستويات غير متناسبة مع متوسط الدخل.

في أحياء بعيدة عن مركز المدينة، يلتهم الإيجار أكثر من نصف راتب الموظف، بينما تتراوح الإيجارات في الأحياء المركزية بين 150 و400 دولار للشقة الواحدة، وهي أرقام تصنع فجوة قاسية بين القدرة الفعلية على الدفع وبين الحاجة الملحّة إلى السكن.
في بلد انكمش ناتجه المحلي من نحو 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في 2024، يصبح دفع 300 أو 400 دولار شهرياً للإيجار فعلياً استنزافاً كاملاً لدخل الأسرة، أو دعوة صريحة للانزلاق نحو مزيد من الفقر أو الهجرة.

هذه المعادلة تجعل امتلاك بيت حلماً بعيداً، ليس فقط بسبب ارتفاع أسعار العقارات، بل أيضاً بسبب غياب أدوات تمويل إسكانية عادلة، كالقروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، أو برامج دعم حكومية حقيقية موجهة لذوي الدخل المحدود والمتوسط.

في الواقع، يتحول السكن إلى معركة يومية: إما البقاء في خيمة أو مبنى متصدع، أو الدخول في دوامة إيجار تستنزف أكثر من نصف الدخل، أو الارتهان لقروض غير رسمية تثقل كاهل الأسرة لسنوات.

مشاريع “السكن المتوسط” بين الخطاب التسويقي والواقع الطبقي

في هذا السياق المضطرب، تظهر مشاريع سكنية جديدة يقدّمها أصحابها على أنها موجهة لذوي الدخل المتوسط، أو أنها “حل إسكاني” للفئات المتضررة من الحرب. لكن نظرة موضوعية إلى أسعار هذه المشاريع تكشف تناقضاً صارخاً بين الخطاب التسويقي والواقع الاجتماعي؛ إذ يصل سعر الشقة الواحدة في بعض هذه المشاريع إلى أكثر من 140 ألف دولار، وهو رقم يضعها عملياً خارج نطاق قدرة أي أسرة ذات دخل متوسط في سورية اليوم.

إذا كان الموظف أو صاحب دخل ثابت يعجز عن دفع إيجار شهري يتراوح بين 150 و400 دولار دون أن يفقد أكثر من نصف دخله، فكيف يمكن له أن يقترب من تملك شقة بسعر 140 ألف دولار في اقتصاد منهك، وبلا منظومة تمويل إسكانية عادلة؟

المشكلة هنا ليست في وجود مشاريع سكنية استثمارية بحد ذاته، بل في ادعاء أنها مشاريع “للدخل المتوسط”، بينما هي في الحقيقة موجهة لشريحة ضيقة من أصحاب رؤوس الأموال أو السوريين العاملين في الخارج أو المستفيدين من تحويلات كبيرة.
هذا الادعاء يخلق وهماً بأن هناك حلولاً إسكانية قيد التنفيذ، بينما الواقع أن هذه المشاريع لا تلامس احتياجات الكتلة الأكبر من السكان، ولا تساهم في تخفيف ضغط الإيجارات أو تقليص فجوة السكن.

بل إن جزءاً من هذه المشاريع يُقام في مواقع ذات بنية تحتية أفضل نسبياً، ما يرفع أسعار الأراضي ويزيد من صعوبة تطوير مشاريع حقيقية ميسّرة في نفس المناطق.

من زاوية نقدية، يمكن القول إن هذه المشاريع تعكس توجهاً لتحويل أزمة السكن إلى فرصة استثمارية، دون ربطها بسياسة عامة واضحة لإعادة الإعمار أو لتوفير سكن ميسّر.

فبينما تقدّر تقارير البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار لإعادة بناء المباني السكنية، لا يظهر حتى الآن إطار وطني شفاف يربط بين الاستثمارات العقارية الخاصة وبين أهداف اجتماعية واضحة، مثل زيادة نسبة السكن الميسّر أو إعادة تأهيل الأحياء المدمرة لصالح سكانها الأصليين، لا لصالح مضاربين جدد في سوق العقار.

جذور الأزمة: دمار، فقر، وتخطيط عمراني معطّل

لفهم أزمة السكن في سورية، لا يكفي التركيز على الأسعار أو الإيجارات، بل يجب النظر إلى البنية العميقة للمشكلة.

أولاً، هناك دمار واسع في المخزون السكني والبنية التحتية؛ ثلث المساكن متضرر أو مدمّر، وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي تعاني اختلالات واسعة، خاصة في المناطق التي شهدت هجوم عنيف من النظام البائد.

هذا يعني أن إعادة الإعمار ليست مجرد بناء جدران جديدة، بل إعادة بناء بيئة عمرانية وخدمية كاملة، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة وتخطيطاً طويل الأمد.

ثانياً، هناك فقر بنيوي يجعل أي حل يعتمد على قدرة الأفراد على الشراء أو الترميم حلاً قاصراً؛ أكثر من 90٪ من السوريين تحت خط الفقر، والبطالة مرتفعة، والدخل الحقيقي تآكل بفعل التضخم وانهيار العملة.

في هذا السياق، يصبح السكن حقاً لا يمكن تركه بالكامل لقوى السوق، بل يحتاج إلى تدخلات عامة قوية، سواء عبر دعم مباشر، أو تنظيم صارم لسوق الإيجارات، أو توفير أراضٍ مخططة لمشاريع سكنية ميسّرة.

ثالثاً، هناك خلل في التخطيط العمراني والتنظيمي؛ مراكز المحافظات لم تشهد توسعاً حقيقياً في المخطط التنظيمي منذ سنوات، ما قيّد إمكانات البناء النظامي الجديد، ودفع جزءاً من التوسع العمراني نحو البناء العشوائي أو غير المرخّص، أو نحو مشاريع استثمارية مغلقة لا تخدم إلا شريحة محدودة.

هذا الجمود التنظيمي يخلق ندرة مصطنعة في الأراضي القابلة للبناء النظامي، ويرفع أسعارها، ويزيد من كلفة أي مشروع سكني، سواء كان خاصاً أو عاماً.

نحو مقاربة مختلفة: من السكن كسلعة إلى السكن كحق

أمام هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة مختلفة لأزمة السكن في سورية، مقاربة تنطلق من اعتبار السكن حقاً أساسياً، لا مجرد سلعة استثمارية. يمكن تلخيص بعض المسارات العملية في النقاط الآتية، مع إدراك أن تنفيذها يحتاج إلى إرادة سياسية، وموارد مالية، وشراكات دولية:

أولاً: سياسة وطنية للسكن الميسّر مرتبطة بخطة إعادة الإعمار
يجب أن تتضمن أي خطة لإعادة الإعمار محوراً واضحاً للسكن الميسّر، يحدد نسباً مستهدفة للوحدات السكنية منخفضة ومتوسطة الكلفة، ويربط منح التراخيص للمشاريع الاستثمارية الكبرى بالتزامها بتخصيص جزء من وحداتها بأسعار مدعومة أو ضمن برامج تمويل ميسّرة للفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.

يمكن أن يكون ذلك عبر نموذج “السكن مقابل التسهيلات الاستثمارية”، بحيث يحصل المستثمر على مزايا في الأرض أو البنية التحتية مقابل التزامه بنسبة محددة من الوحدات الميسّرة.

ثانياً: توسيع المخططات التنظيمية وضبط الإيجارات
توسيع المخطط التنظيمي لمراكز المحافظات والمدن الكبرى ضرورة لتخفيف الضغط عن الأحياء القائمة، وفتح المجال أمام بناء نظامي جديد بأسعار أقل نسبياً.
بالتوازي، يمكن وضع أطر قانونية لضبط الإيجارات في المناطق الأكثر ضغطاً، عبر ربط الزيادات بسقف محدد، أو عبر حوافز ضريبية لأصحاب العقارات الذين يلتزمون بإيجارات معقولة، بما يخفف العبء عن الموظفين وذوي الدخل المحدود.

ثالثاً: برامج ترميم مدعومة للمساكن القابلة للإصلاح
بما أن نحو 79٪ من المساكن المتضررة قابلة للإصلاح، فإن إطلاق برامج ترميم مدعومة، بالشراكة مع منظمات دولية، يمكن أن يكون أحد أسرع المسارات لتحسين واقع السكن.

هذه البرامج يمكن أن تعتمد على منح صغيرة أو قروض ميسّرة موجهة مباشرة للأسر، مع رقابة هندسية لضمان السلامة الإنشائية، بما يقلل من بقاء الناس في مساكن غير آمنة أو خيام لفترات طويلة.

رابعاً: شفافية في مشاريع “السكن المتوسط” وربطها بالواقع الفعلي للدخل
أي مشروع يقدَّم على أنه موجه لذوي الدخل المتوسط يجب أن يخضع لمعايير واضحة: نسبة من سعر الشقة إلى متوسط الدخل، مدة التمويل المتاحة، حجم الدفعة الأولى، وغيرها من المؤشرات التي تحدد فعلياً مدى قدرة الفئات المستهدفة على الاستفادة منه.
من دون هذه الشفافية، يبقى وصف “السكن المتوسط” مجرد شعار تسويقي يخفي مشاريع طبقية لا علاقة لها بحل الأزمة.

السكن بوصفه اختباراً لجدية التعافي

أزمة السكن في سورية ليست ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار السياسة أو الاقتصاد؛ هي اختبار مباشر لجدية أي مشروع تعافٍ أو إعادة إعمار.

فبلد يعيش فيه ملايين الأشخاص بين الأنقاض أو في خيام، وثلاثة أرباع مخزونه السكني المتضرر قابل للإصلاح لكنه بلا تمويل، واقتصاده يحتاج إلى مئات المليارات لإعادة البناء، لا يمكن أن يعالج أزمة السكن عبر مشاريع فاخرة تُباع بمئات آلاف الدولارات، أو عبر ترك سوق الإيجارات يعمل بلا ضوابط في ظل فقر شامل.

الطريق إلى حل حقيقي يبدأ بالاعتراف بأن امتلاك بيت في سورية اليوم ليس ترفاً، بل حاجة وجودية، وأن الخروج من الخيمة أو المبنى المتصدع إلى سكن آمن يجب أن يكون هدفاً مركزياً لأي سياسة عامة.

بين حلم البيت وأمنية الخروج من الخيمة، تقف مسؤولية الدولة، والمجتمع الدولي، والقطاع الخاص، أمام سؤال واحد: هل يُعامل السكن كحق إنساني، أم يبقى مجرد فرصة استثمارية في بلد مثقل بالخراب؟

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top