في البدء كانت الأم.. تلك الجذوة التي لا تخبو، والحضن الذي يتسع لكل الوجع. في سوريا، حيث تآمرت الجغرافيا على بنيها وتواطأ التاريخ مع الظلم، كانت الأم هي الثابت الوحيد في معادلة متغيرة، هي السند الذي لم ينهار حين انهارت الأعمدة، وهي الصوت الذي ظل يهمس بالحياة في آذانٍ أرهقها الموت. لكن ثمة أمهاتٍ حملن وطأةً مضاعفة، أمهات الجولان، اللواتي كتب عليهن أن يكنّ أولى النازحات وأكثر المتعبين بؤساً، وأصبرهن على امتحان الزمن.
منذ متى صار الحزن مهنةً تُتقنها المرأة كما تُتقن الخبز؟ منذ متى صار الانتظار فعلاً يومياً، يُمارَس عند الفجر مع أول أذان، وعند الغروب مع آخر خبر؟ في سوريا، لم يكن للأم أن تختار الدور الذي فُرض عليها؛ فقد استيقظت ذات صباح من ربيع لم يكتمل، لتجد أن البيت الذي بنته حجراً حجراً، وطناً صغيراً تحرسه يداها، قد صار جبهةً، وأن الأبناء الذين أرضعتهم من ثديها صاروا إما شهداء تُغسَّل أجسادهم بالدموع، أو معتقلين تُعدّ لهم الأيام كأنها سنون، أو مهجَّرين يحملون أحلامهم في حقيبة واحدة عبر حدودٍ لا ترحم.
أما نساء الجولان، فقصة أخرى من العذاب، بدأت بالنزوح الأول حين اقتلعت أقدامهن من أرضهن عام 1967، فكنّ أولى الحاملات لأطفالٍ على الأكتاف وأكياسٍ من الدقيق تعبئ الجوع، يتركن خلفهن بيوتاً ما زالت مفاتيحها معلقة على أوتاد الذاكرة. ومن ذلك النزوح المرير، انطلقت رحلة معاناة لم تنقطع مع وصول عائلة الأسد إلى الحكم، حيث تحول الفقر من حالة طارئة إلى نظام حياة، وتضاعف الحرمان مع كل عام يمضي. نساء الجولان عرفن كيف يكنّ أمهاتٍ وآباءً وأجداداً في آن، كيف يصنّ من العجين ما يسد الرمق، ومن الحجر ما يؤوي الصغار، ومن القلب ما يقي البرد القارس، ومن الدموع ما يروي جذور التين التي ظلّت تشهد على ماضٍ سُلب.
أمهات الجولان، اللواتي توزعن بين الجولان المحتل والمدن السورية الفقيرة، عشن على وقع خبرين: خبر فقدان الأهل، وخبر غلاء الأسعار. كنّ يتنقلن بين المخيمات وحواري دمشق، يبيعن ما تبقى من حليهن لشراء دواء لطفل مريض، ويهبن وجباتهن لأبنائهن كي يناموا وهم يشبعون. أياديهن التي كانت تلملم الزيتون في أرضٍ أصبحت بعيدة، صارت تلملم الحطب في الشتاء القارس. وما بين غدر الزمان وحناجر الجوع، بقيت أمهات الجولان شاهدات على أن البؤس لا يقتل الإرادة، بل يصقلها كالسيف.
الوجع الذي لا يُكتب في التقارير
لم تكن معاناة الأم السورية رقماً في إحصائية أممية، ولا سطراً عابراً في نشرة أخبار. كانت أعمق من أن تُختزل. هي التي وقفت أمام الحواجز تتوسل لتمرّ بابنها المريض إلى المشفى، فعادت وحيدة. هي التي حملت جثمان ابنها على كتفيها لأن الشارع كان أضيق من أن يتسع لنعشٍ وحزنٍ معاً. هي التي تعلّمت أن تفرّق بين صوت القذيفة القادمة وصوت الطائرة المغادرة، لا لأنها عسكرية، لأن الأمومة تخترع لنفسها حواساً جديدة حين يتهدد أبناؤها الخطر.
كانت تنام.. إن كان للنوم معنى في تلك الليالي، وعينها نصف مفتوحة على الباب، تحسب أن طرقة قد تعني بشرى العودة، وقد تعني نعياً. وفي الصباح، كانت تُعيد ترتيب الوجه قبل أن تخرج لتقف في طابور الخبز، فلا يرى الجيران على ملامحها أثر الليلة التي مضت. فالانهيار في العلن كان رفاهية لم تملكها؛ إذ كان عليها أن تبقى الجدار الذي يستند إليه الجميع، حتى وهي تتصدع من الداخل.
حين يصبح الاقتصاد معركةً أخرى
لم تكتفِ الحرب بأن تسلبها الأمان، جاءت لتسلبها العملة أيضاً. تحوّلت الأم، في غيبة الأب – إما لاستشهاده، أو لاعتقاله، أو لهجرته بحثاً عن لقمة في بلاد أخرى – إلى المعيل الوحيد لبيتٍ أثقلته الحرب بأفواهٍ جائعة وجدرانٍ متصدعة. باعت الذهب الذي كانت تدّخره ليوم زفاف ابنتها، وباعت لاحقاً حتى الحلي البسيطة التي كانت آخر ما تبقى من ذكرى أمها. عملت في مهن لم تكن لتتخيل نفسها فيها يوماً: خياطةً، أو عاملة تنظيف، أو بائعة متجولة، أو مزارعة في أرضٍ استعارتها من جارٍ أشفق عليها.
كانت تحسب الليرة قبل أن تنفقها مرتين، وثلاثاً، وتُقسّم رغيف الخبز على أفواهٍ أكثر من طاقته، وتقول لأبنائها إنها “شبعانة” كي يأكلوا هم. الجوع الذي كانت تخفيه عن أطفالها كان أثقل من أي قذيفة، لأنه جوعٌ يومي، بلا هدنة وبلا نهاية معلنة. وفي المخيمات، حيث الخيمة لا تقي حراً ولا برداً، كانت تتحول الأم إلى مهندسة بقاء: تصنع مدفأة من الصفيح، وتُعلّم أبناءها في العراء حين تغيب المدرسة، وتحفظ لهم كرامتهم وسط الغبار والانتظار.
الأثر النفسي: أمٌّ تحمل وطناً في صدرها
ماذا يفعل الخوف الدائم بقلب امرأة؟ ماذا يترك القصف المتكرر في ذاكرة من عاشت لتحمي؟ لقد حملت الأم السورية عبئاً نفسياً مضاعفاً: عليها أن تكون قوية أمام أطفالها كي لا ينهاروا، وأن تكون هشّة بما يكفي لتبكي حين تختلي بنفسها، وأن تُعيد التوازن بين الاثنين كل يوم من جديد. كثيرات منهن عشن اضطراب ما بعد الصدمة دون أن يعرفن اسمه، فقط عرفن أن الصوت المفاجئ يجعل القلب يقفز، وأن رؤية طفل بعمر ابنها المفقود تُشعل النار في صدرها من جديد.
ومع ذلك، كانت هي من تُطبطب على كتف الجار الذي فقد بيته، وهي من تُهدئ الطفل الذي استيقظ من كابوس القصف، وهي من تخترع للحياة معنى جديداً كل صباح كي يستمر أبناؤها في النمو رغم الركام. لم تكن الأم السورية ضحيةً فحسب؛ كانت أيضاً معالِجة نفسية بلا شهادة، وطبيبة بلا عيادة، ومعلمة بلا مدرسة، تُرمّم بيدين مرتجفتين كل ما تكسره الحرب في نفوس من حولها.
الأم في المنفى: وطن يُحمل في القلب
وحين قست الأرض، هاجرت، لكنها لم تهاجر وحدها أبداً، فقد حملت معها ذاكرة بيتٍ لن تراه، وصور أبناء لن يكتمل شملهم، ولغةً حرصت أن تُورّثها لأحفادها في بلاد لا تعرف اسم قريتها. في المخيمات وبلاد اللجوء، أعادت بناء المطبخ السوري بروائحه، والعادات بتفاصيلها، وكأنها تقول للعالم: نحن هنا، وما زلنا نحمل هويتنا رغم كل شيء. كانت تتعلم لغة جديدة في الخمسين من عمرها فقط لتستطيع مرافقة طفلها إلى المدرسة، وتعمل في وظائف تقل كثيراً عن مؤهلاتها فقط لتُبقي سقفاً فوق رؤوس من تبقى من عائلتها.
ما بعد الركام
عظمة الأم السورية لم تكن هبةً ولا صفة فطرية جاهزة، لأنها كانت انتزاعاً يومياً من قلب المأساة. كل صباحٍ كانت تختار أن تنهض، وكل مساءٍ كانت تختار ألا تستسلم، وبين الصباح والمساء كانت تُعيد تعريف القوة بعيداً عن كل التعريفات الجاهزة. لم تحمل بندقية، لكنها خاضت حرباً لا تقل ضراوة: حرب البقاء، وحرب الذاكرة، وحرب أن تُبقي إنساناً سوياً وسط ما يكفي لتحطيم أرواحٍ أقوى.
أمهاتٌ لا تُنسى منهن:
مثل أم نضال التي أنجبت سبعة أبناء بين شهيد ومعتقل ومشرد، فكانت تزور سجن حلب كل شهر لترى ابنها الوحيد المتبقي، تقطع المسافة على قدميها ثمانين كيلومتراً لأن الأجرة كانت تفوق ما تملك، ولم يمنعها الجوع ولا القصف ولا الانهيارات الجبلية. ومثل أم زهير من الجولان، التي نزحت ثلاث مرات، ومع كل نزوح كانت تفقد شيئاً من ملامحها، لكنها ظلت تحتفظ بتراب من أرضها الأول في قارورة زجاج، تسكب منه قليلاً عند كل صلاة كي تبقى على صلة بوطن لم تعد تراه. ومثل الحاجة فاطمة من درعا، التي حوّلت غرفة تحت الأرض إلى مدرسة لأطفال الحي حين أغلقت المدارس، وعلّمت خمسين طفلاً القراءة والكتابة على ضوء شمعة، لأنها آمنت أن الجهل هو الهزيمة الحقيقية.
اليوم، حين تُروى حكاية سوريا، لا يجوز أن تُروى دون أن يكون للأم فيها الحصة الأكبر: فهي الأرض التي احتضنت الجذور حين اقتُلعت الأشجار، وهي الذاكرة التي رفضت أن تنسى، وهي اليد التي، مهما ارتجفت، ظلت تمتد لتُطعم، وتحتضن، وتبني من جديد. عظمتها ليست في أنها لم تنكسر، فقد انكسرت مراراً، لكنها، بعد كل انكسار، كانت تلملم شظاياها، وتُعيد تشكيل نفسها أماً من جديد.






