لم يعد خبر اختفاء طفل في محافظة درعا حدثاً استثنائياً يمر مرور الكرام، بل أصبح خلال الأشهر الأخيرة مصدر قلق دائم للأهالي، بعد تكرار حالات الخطف والاختفاء، والعثور في بعض القضايا على أطفال فارقوا الحياة في ظروف مأساوية. لقد تجاوزت هذه الوقائع كونها حوادث متفرقة، لتتحول إلى قضية رأي عام تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
إن الطفل هو الحلقة الأضعف في أي مجتمع، وعندما يصبح هدفاً للخطف أو الاختفاء أو القتل، فإن الخطر لا يقتصر على الضحية وحدها، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، ويزرح الخوف في نفوس الأطفال، ويقوض الإحساس بالأمان الذي يعد أساس الاستقرار المجتمعي.
ومع كل إعلان عن اختفاء طفل، تعيش درعا حالة استنفار شعبي، حيث تتكاتف الجهود في حملات البحث، وتنتشر صور الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيما تعيش الأسر ساعات وأياماً من القلق والترقب. وفي بعض الحالات تنتهي المأساة بالعثور على الطفل، بينما تنتهي حالات أخرى بفاجعة تترك جرحاً لا يندمل في ذاكرة المجتمع.
ورغم أن لكل قضية ظروفها وملابساتها التي تحددها التحقيقات الرسمية، فإن تكرار هذه الحوادث خلال فترة زمنية قصيرة يفرض التعامل معها بوصفها ظاهرة تستوجب دراسة شاملة، والبحث في أسبابها، وتعزيز وسائل الوقاية منها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل معها كحوادث منفصلة.
كما أن هذه الجرائم تترك آثاراً نفسية عميقة على الأطفال أنفسهم، إذ يعيش كثير منهم حالة من الخوف وفقدان الثقة، بينما يجد الآباء والأمهات أنفسهم مضطرين لتقييد حركة أبنائهم وحرمانهم من أبسط حقوق الطفولة خوفاً عليهم.
وفي المقابل، فإن انتشار الشائعات مع كل حادثة اختفاء يزيد من حجم المأساة، ويضاعف قلق المجتمع، ويؤكد الحاجة إلى معلومات دقيقة تصدر عن الجهات المختصة، بما يحفظ سير التحقيقات ويمنع تداول الأخبار غير الموثقة.
إن حماية الأطفال ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات التعليمية والمجتمعية، ولا تنتهي عند الجهات المختصة بحفظ الأمن وإنفاذ القانون. فالمجتمع الذي يحمي أطفاله هو المجتمع القادر على حماية مستقبله.
إن ما تشهده درعا اليوم يستدعي تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، ليس فقط لكشف ملابسات كل قضية ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون، بل أيضاً لوضع خطة متكاملة تعزز حماية الأطفال، وترسخ ثقافة الوقاية، وتعيد الطمأنينة إلى قلوب الأهالي.
فالأطفال ليسوا مجرد أرقام في سجلات الحوادث، بل هم مستقبل الوطن وأمله. وحماية طفولتهم مسؤولية لا تقبل التأجيل، لأن أمن الأطفال هو المعيار الحقيقي لسلامة أي مجتمع، ولأن درعا تستحق أن يعود أطفالها إلى مدارسهم وأحيائهم وهم يحملون أحلامهم… لا مخاوفهم.






