كلمة “الجدبة” في سوريا تحمل معنى أكبر بكثير من كونها تعبيراً شعبياً متداولاً. فهي تختصر تجربة عاشها السوريون لعقود، وتعكس أسلوباً في التعامل مع الحياة تشكل تحت ضغط الظروف الاقتصادية والإدارية، حتى أصبحت مهارة يكتسبها الناس مع الوقت، ووسيلة يعتمد عليها كثيرون لتجاوز تعقيدات الحياة اليومية؛ فمن لا يجدبها، يُسحق.
الجدبة، في جوهرها، تواطؤ صامت بين طرفين يعرف كل منهما أن الآخر يعرف. المذيع يقرأ خبراً يعلم أنه كذب، والمستمع يستمع إليه وهو يعلم أنه كذب، وكلاهما يكمل المشهد إلى النهاية دون أن يجرؤ أحد على كسر القاعدة. فهذه اللعبة لا تحتاج إلى قناعة، يكفيها أداء متقن. وليس المطلوب منك أن تُصدّق، لا يهم.. فقط تتظاهر بالتصديق بإتقان كافٍ يُبقيك بعيداً عن الأذى.
الرمادية كخط دفاع آخر
بين الأبيض الذي يعني الولاء الكامل، والأسود الذي يعني المعارضة الصريحة، اخترع السوريون مساحة رمادية واسعة، صمدوا فيها لعقود. فالرمادية ليست موقفاً سياسياً بحتاً بقدر ما هي استراتيجية نجاة، تعني: أن لا تقول “نعم” بحماسة تُثير الشبهة، ولا تقول “لا” بوضوح يستدعي التقرير. بتعبير أدق: أن تُبقي كل جملة قابلة للتأويل في اتجاهين، بحيث لو سُئلت يوماً: “ماذا قصدت؟”، يكون لديك دائماً مخرج.
ولكي نتفق على شيء مهم، هذه الرمادية لم تكن جبناً كما قد يُفهم اليوم بعد سقوط النظام، لأنها كانت لغة كاملة، لها قواعدها ونحوها، يتقنها من عاش في ظلها. ومن لم يتقنها، دفع الثمن: تقرير أمني، استدعاء، اعتقال، أو أسوأ من ذلك.
تمشاية الحال وتمسيح الجوخ
إلى جانب الرمادية، وُجدت “تمشاية الحال”، وهي فن التقليل من كل شيء: تقليل الحماسة، تقليل الاعتراض، تقليل حتى الفرح إن كان صادقاً أكثر من اللازم. كانت تمشاية الحال تعني أن تمرّ الأيام دون أن تلفت الانتباه، وأن تكون حاضراً دون أن تكون مرئياً، وأن تعمل وتُنتج وتربّي أطفالك دون أن تسأل الأسئلة الكبرى.
أما “تمسيح الجوخ”، فكان الوجه الأكثر مباشرة من هذه المنظومة: هو المديح المصطنع، والولاء المعلن بصوت أعلى من الحاجة، والحضور في كل مناسبة وطنية بابتسامة لا تُخطئها العين المدرّبة على كشف الزيف. لم يكن تمسيح الجوخ، عند أغلب الناس، خياراً أخلاقياً، بقدر ما كان ضريبة العبور الآمن عبر يوم إضافي دون أن يُفتح ملف باسمك.
الثمن الحقيقي
الأخطر في كل هذا، ما فعله الكذب المتكرر بالناس. حين تكذب لعشر سنوات ويزيد، لا تعود تعرف أين ينتهي الأداء وأين يبدأ الإنسان الحقيقي. وحين تُتقن الرمادية إلى هذا الحد، تفقد تدريجياً القدرة على تمييز موقفك الفعلي من موقفك المُعلن. وحين تُمارس تمشية الحال طويلاً، تكتشف أن “الحال” لم يعد يحتاج إلى مشاية نمرة (47) فحسب، لأنك أصبحت محتاجاً إلى مواجهة كاملة لم تعد تملك أدواتها.
كانت هذه المنظومة كلها – الجدبة، والرمادية، وتمشية الحال، وتمسيح الجوخ – آلية دفاع جماعية أنتجها شعب محاصر بين خيارين لا ثالث لهما: الصمت المُتقن أو الزنزانة. ومن العدل أن نعترف أن ملايين السوريين اختاروا الصمت المتقن، ليس جبناً، معاذ الله، لأن البديل كان يعني تدمير عائلات بأكملها من أجل جملة واحدة صادقة قيلت في مكان غير آمن.
اليوم، بعد سقوط ذلك النظام، يحق للسوريين أن يتساءلوا: كم من “الجدبة” ما زال عالقاً في طريقة تفكيرنا؟ وهل نملك الشجاعة لنستبدل الرمادية بالوضوح، وتمسيح الجوخ بالمساءلة، وتمشية الحال ببناء حال جديد يستحق أن يُعلن دون تمثيل؟
الاستنتاج: ما الذي تركته هذه الأساليب في المجتمع؟
المشكلة الحقيقية لم تنتهِ بسقوط النظام الذي فرضها، فما تدرّب عليه مجتمع بأكمله لعقود لا يُمحى بمجرد زوال السلطة التي فرضته. فالجدبة، والرمادية، وتمشية الحال، وتمسيح الجوخ، كانت تدريباً يومياً مستمراً أعاد تشكيل طريقة تفكير مجتمع كامل، وترك آثاراً ما زالت حاضرة حتى اليوم.
أول هذه الآثار هو تآكل الثقة بين الناس أنفسهم، لا بين الناس والسلطة فقط. حين يتعلم مجتمع أن يكذب على بعضه بانتظام، ينشأ جيل لا يعرف كيف يميز الصدق من التمثيل حتى في أبسط العلاقات الإنسانية. فالصديق قد يكون واشياً، والجار قد يكون مخبراً، والزميل قد يكون يمثل دوراً مثلك تماماً. هذا الشك المتبادل يتحول مع الوقت إلى نسيج اجتماعي هش، يصعب ترميمه حتى بعد زوال سبب الخوف الأصلي.
الأثر الثاني أعمق وأخطر، وهو ضياع القدرة على التمييز بين الرأي الحقيقي والرأي المُعلن، ليس فقط أمام الآخرين، بل حتى أمام النفس. من مارس الرمادية طويلاً قد يجد نفسه اليوم، بعد سقوط النظام، عاجزاً عن معرفة ما كان يؤمن به فعلاً وما كان مجرد أداء للنجاة. وهذه أزمة هوية جماعية لا تُحل بقرار سياسي أو بمرور الزمن وحده، بل تحتاج إلى مساءلة صادقة وطويلة مع الذات.
الأثر الثالث يتعلق ببناء أي مستقبل جديد، فالمجتمع الذي تدرّب على تمشاية الحال بدل مواجهته، وعلى تمسيح الجوخ بدل المساءلة، يجد صعوبة حقيقية في تبنّي ثقافة المحاسبة والشفافية التي تتطلبها أي مرحلة انتقالية. لأن العادات القديمة لا تختفي بمجرد أن يصبح القول الصريح آمناً، فمن اعتاد الصمت لعقود قد يستمر صامتاً حتى حين يُفتح له باب الكلام، ومن اعتاد المديح المصطنع قد يعيد إنتاجه تجاه سلطة جديدة دون وعي منه.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس عن مدى قسوة النظام الذي فرض هذه الأساليب، فذلك أمر معروف وموثّق. السؤال الأهم هو: كيف يعيد مجتمع كامل تعليم نفسه الصدق بعد عقود من إتقان الكذب المشترك؟ هذه المهمة أصعب بكثير من إسقاط نظام، لأنها تعني إعادة بناء اللغة والثقة والعلاقات من الصفر، في مجتمع لا يزال يحمل في ذاكرته الجماعية دروس النجاة القديمة، ويحتاج الآن إلى تعلّم دروس جديدة اسمها الصراحة.






