آخر الخطوط الحمراء.. كيف حوّلت إسرائيل الجولان المحتل إلى رقعة توسّع متجددة في سوريا

في فجر 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد ساعات فقط من سقوط دمشق بيد فصائل المعارضة وهروب بشار الأسد إلى موسكو، عبرت دبابات إسرائيلية خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل ودخلت “المنطقة العازلة” التي أنشأها اتفاق فصل القوات لعام 1974. لم يكن ذلك مجرد تحرك عسكري استدعته الفوضى اللحظية؛ كان، كما تكشف الأشهر التالية، بداية لأطول وأوسع عملية توسّع إقليمي إسرائيلي خارج حدود 1967 منذ عقود. بعد عام ونصف، تشير بيانات الرصد الميداني إلى أن إسرائيل ما تزال تسيطر على مساحات من الأراضي السورية تتجاوز 600 كيلومتر مربع، وتدير من خلالها واحدة من أكثر جبهات الشرق الأوسط هشاشةً وغموضاً. 

هذا التحقيق يحاول أن يجمع الخيوط: من أين أتت هذه التوغلات، وكيف تطورت، وما تداعياتها على السوريين والمنطقة، وإلى أين يمكن أن تنتهي وفق ما تكشفه المفاوضات الجارية برعاية أميركية.

الجذر التاريخي: من 1967 إلى لحظة الانهيار

لفهم ما يجري اليوم، لا بد من الرجوع إلى الإطار القانوني والتاريخي الذي حكم الجولان طوال نصف قرن. احتلت إسرائيل الجولان في حرب 1967، وبعد محاولة سورية فاشلة لاستعادته في حرب 1973، وقّع الطرفان في 1974 اتفاق فصل القوات الذي رسم “خطي تماس” أنشأ بينهما منطقة عازلة بمساحة نحو 266 كيلومتراً مربعاً، تتولى رصدها قوة “الأندوف” التابعة للأمم المتحدة. في 1981 أقدمت إسرائيل على ضم الجولان رسمياً عبر “قانون الجولان”، خطوة وصفها مجلس الأمن في قراره 497 بأنها “لاغية وباطلة ولا أثر قانونياً لها”، ولم تعترف بها أي دولة في العالم حتى 2019، حين كانت الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب أول دولة تعترف بسيادة إسرائيل على الهضبة.

 

هذا الإطار القانوني بقي محل خلاف؛ فالجولان ما يزال يخضع لسلطة إسرائيل وبالتالي يُعتبر محتلاً بحكم القانون الدولي بصرف النظر عن الاعتراف الأميركي المنفرد.

لحظة الانهيار: كيف بدأ التوسع الجديد

مع تصاعد الهشاشة في نظام الأسد منذ خريف 2024، بدأت إسرائيل بالتموضع المسبق. في سبتمبر/أيلول 2024 -قبل شهرين من الهجوم الذي أطلقته فصائل المعارضة بقيادة أحمد الشرع لإسقاط الأسد- نفذت القوات الإسرائيلية عملية جوية-برية مشتركة استهدفت “مركز الدراسات والبحوث العلمية”، منشأة النظام السرية لتصنيع الصواريخ الدقيقة، ودمّرتها. وفي أكتوبر، مع تصاعد الهواجس من هشاشة النظام، بدأت قوات الجيش الإسرائيلي بالتحرك داخل منطقة عمل قوة الأندوف العازلة.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة: أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه أمر القوات الإسرائيلية بالسيطرة على المنطقة العازلة في الجولان بعد التقدم الخاطف لفصائل المعارضة السورية الذي أنهى حكم الأسد. وبرر ذلك بانهيار الاتفاق القديم: “الاتفاق الذي دام عقوداً انهار، والجنود السوريون تركوا مواقعهم”، وأضاف “لن نسمح لأي قوة معادية بأن ترسخ وجودها على حدودنا”. على الفور، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة لسكان خمس قرى سورية قريبة من الجولان المحتل بأن “يبقوا في منازلهم”، وأُعلنت مناطق زراعية مناطقَ عسكرية مغلقة.

من تلك اللحظة، توسعت رقعة السيطرة الإسرائيلية تدريجياً إلى ما هو أبعد من “المنطقة العازلة” التاريخية، ليشمل قرى ومرتفعات جديدة، من أبرزها جملة ومرعبة، وصولاً إلى منطقة جبل الشيخ الاستراتيجية بكامل قممه.

شهادات من الميدان: قرى تحت الحصار

من بين القرى الأكثر تأثراً، قرية “الراوضي” داخل المنطقة العازلة، حيث يروي مزارع يدعى خالد رمضان كيف عاش حياة هادئة في قريته الصغيرة قبل أن تجتاحها القوات الإسرائيلية ساعات فقط بعد سقوط الأسد، وتجبره على مغادرتها. يستطيع أن يرى منزله من بعيد لكنه لا يستطيع العودة إليه.

وفي قرية “سويسة”، روى شاب يبلغ من العمر 17 عاماً يدعى عبد الرحمن عقاد أن السكان كانوا يهتفون خلال احتجاج “سوريا حرة حرة.. إسرائيل تطلع برا”، وحينها أطلق الجنود النار فأصابوه في ساقيه. وحين سُئل الجيش الإسرائيلي عن الواقعة، قال إن الجنود أطلقوا فقط طلقات تحذيرية في الهواء بعد أن استمر حشد كان قد طُلب منه التراجع بالتقدم.

هذه الشهادات الفردية تتقاطع مع أنماط منهجية وثّقتها منظمات رصد متعددة: عمليات مصادرة أراضٍ، وتجريف غابات، وتدمير منازل بزعم أنها “تحجب الرؤية العسكرية”، فيما يرى سكان أن ذلك غطاء للتهجير القسري. ففي محافظة القنيطرة وحدها، تقدّم الجنود مسافة 1.5 كيلومتر ودمّروا 15 منزلاً، فيما تشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن هذه الممارسات قد تخالف المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظّر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة.

الأرقام: اتساع لم يسبق له مثيل

البيانات المُجمّعة من عدة مصادر رصد مستقلة تكشف حجم التوسع:

 وفق مشروع “أكليد”  (ACLED)لرصد النزاعات، الذي استخدمته الجزيرة في تحقيق بصري مفصّل، وثّقت الخريطة الجغرافية أكثر من 800 عملية توغل نفّذتها القوات الإسرائيلية خارج المنطقة العازلة وداخل الأراضي السورية بين 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 و16 يناير/كانون الثاني 2026، وبلغ أعمق توغل نحو 63 كيلومتراً داخل الأراضي السورية قرب حرش الجبيلية في ريف درعا، في أبريل/نيسان 2025.

وفق مركز “سجل” السوري للرصد، الذي نقلت بياناته صحيفة “ميدل إيست آي”، نفّذت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 1672 خرقاً داخل الأراضي السورية بين أغسطس/آب 2025 ومايو/أيار 2026، وسجّل مارس/آذار 2026 رقماً قياسياً بأكثر من 321 عملية عسكرية، منها 121 عملية جوية، واعتقال 41 مواطناً سورياً في شهر واحد.         

وفق الرئيس السوري  أحمد الشرع نفسه، الذي وصف بلاده بأنها “ضحية أكثر من 1000 ضربة جوية إسرائيلية وأكثر من 400 توغل” منذ سقوط الأسد. ·

أنشأت إسرائيل ما لا يقل عن تسعة قواعد عسكرية جديدة داخل الأراضي السورية المحتلة حديثاً، اثنتان منها على الجانب السوري من جبل الشيخ.

جرّفت القوات الإسرائيلية أكثر من 110 أفدنة من غابة جباثا الخشب التاريخية، إضافة إلى مساحات واسعة من محمية جباثا الطبيعية وغابة كدنا، ومنعت مزارعين سوريين من الوصول إلى أراضيهم.

في يناير/كانون الثاني 2026، دمّر الجيش الإسرائيلي مبنيين تاريخيين في القنيطرة: مستشفى الجولان وسينما الأندلس.

وثّقت تقارير في يناير/كانون الثاني 2026 رصد طائرات إسرائيلية ترشّ مواد كيميائية على أراضٍ زراعية وغابات سورية في الجولان، وأظهرت عيّنة من لبنان -حيث جرى رصد رشّ مماثل- أن المادة تحتوي مبيداً عشبياً مصنّفاً كمادة مسرطنة، وبتركيز يفوق الاستخدام الطبيعي بعشرات المرات.  

القتلى والمحتجزون: الكلفة البشرية

التصعيد الميداني لم يقتصر على مصادرة الأراضي. في مارس/آذار 2025، في بلدة كويا بريف درعا، قُتل سبعة رجال من السكان المحليين على يد قوات الجيش الإسرائيلي بعد مقاومتهم توغلاً عسكرياً. وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، شهدت بلدة بيت جن قتل 14 شخصاً في عملية إسرائيلية وصفها مراقبون بأنها الأكثر دموية منذ سقوط الأسد، وأثارت غضباً علنياً من الإدارة الأميركية نفسها.

كما تشير تقارير حقوقية إلى أن عشرات الرجال السوريين اعتُقلوا تعسفياً من قوات الاحتلال ونُقلوا إلى الأراضي الإسرائيلية للتحقيق، ثم أُفرج عن أغلبهم في مناطق ريفية ليجدوا طريقهم بأنفسهم للعودة بعد يوم أو يومين، بينما لا يزال نحو اثني عشر رجلاً في الاعتقال الإسرائيلي دون معرفة مكانهم.

التوسّع الاستيطاني: من “منطقة عازلة” إلى مشروع ضمّ زاحف

التوغلات العسكرية لم تكن وحدها مصدر القلق؛ فالخطاب السياسي الإسرائيلي تحوّل تدريجياً من تبرير “أمني مؤقت” إلى مشروع توسّع استيطاني مكشوف. في 17 أبريل/نيسان 2026 وافقت الحكومة الإسرائيلية على تشريع يسهّل نقل قرابة 3000 عائلة مستوطنة إلى الجولان بحلول 2030، في خطوة تهدف إلى مضاعفة عدد المستوطنين في الهضبة. وفي 9 أبريل/نيسان، صرّح وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش بأنه ستكون “هناك خطوة سياسية حاسمة في سوريا تشمل قمة جبل الشيخ والمنطقة العازلة على الأقل”، مضيفاً أن ذلك سيوسّع حدود إسرائيل بالتوازي مع عمليات مشابهة في غزة ولبنان.

وفي مطلع 2026 أعلنت إسرائيل عن مشروع بقيمة 1.7 مليار دولار لبناء جدار حدودي يمتد 500 كيلومتر على حدودها مع سوريا والأردن، يبدأ من جنوب الجولان وصولاً إلى كثبان سامار قرب إيلات، وهو ما وُصف بـ”الحاجز الأمني الشرقي”. ووفق تحقيق مركز “سجل”، فإن عقداً بقيمة 80 مليون دولار وُقّع مع شركة أميركية وفرعها الإسرائيلي بذريعة “إزالة الألغام”، لكن التحليل خلص إلى أن هذا غطاء فعلي لإنشاء “حدود ذكية” بالذكاء الاصطناعي تعتمد شبكات استشعار وطائرات مسيّرة وروبوتات أرضية، مصمَّمة للاستخدام طويل الأمد يتجاوز بكثير مهمة إزالة الألغام المعلنة.

بين خط الألفا وخط بيربل: كيف رُسمت الخرائط من جديد

تحقيق ميداني نشرته وحدة الاستقصاء المفتوح في الجزيرة في مايو/أيار 2026 سلّط الضوء على إشكالية أساسية: لا توجد خريطة إسرائيلية رسمية تحدد بدقة حدود السيطرة الجديدة في جنوب سوريا، خلافاً لغزة (حيث رُسم “الخط الأصفر”) وجنوب لبنان. لذلك استند التحقيق إلى عمل جغرافي مستقل يتتبع ما تشكّل فعلياً على الأرض، ليكشف عن شبكة من المواقع العسكرية الإسرائيلية الدائمة التي تتجاوز “خط الألفا” الذي يفصل الجولان المحتل عن باقي الأراضي السورية بموجب اتفاق فصل القوات لعام 1974.

قبل التوغل، كان “الخط الأرجواني” (Purple Line) يشكّل خط وقف إطلاق النار المعترف به دولياً بين الجزء المحتل والجزء الخاضع للسيطرة السورية من الجولان، وكان معبر القنيطرة المعبر الرسمي المستخدم من موظفي الأمم المتحدة وأبناء الطائفة الدرزية. بعد الغزو والتوسع، تشكّل خط جديد لترسيم المواقع الإسرائيلية إلى الشمال من الخط القديم، في واقع ميداني جديد لم يُعترف به دولياً ولم تُعلنه إسرائيل رسمياً، مما يجعل تتبعه أكثر تعقيداً من حالتي غزة ولبنان.

آليات وجرافات إسرائيلية في ريف القنيطرة خاص مؤسسة جولان

ذرائع متعددة: الأمن، الدروز، وإيران

الخطاب الرسمي الإسرائيلي قدّم على مدى عام ونصف عدة تبريرات متراكبة لاستمرار الوجود العسكري:

أولاً، منع ما تسميه إسرائيل “تهديداً محتملاً” من سوريا ما بعد الحرب، ومنع وصول السلاح الثقيل والبنية التحتية “الإرهابية” التي قد تهدد حدودها الشمالية.

ثانياً، قطع طرق تهريب السلاح الإيرانية المحتملة عبر الأراضي السورية نحو حزب الله في لبنان، في ظل تخوّف إسرائيلي من إعادة بناء النفوذ الإيراني عبر الحكومة الجديدة في دمشق.

ثالثاً، وهي الذريعة الأكثر إثارة للجدل سياسياً ومحلياً، “حماية الطائفة الدرزية” في محافظة السويداء جنوب سوريا. منذ يوليو/تموز 2025، استخدمت إسرائيل أعمال العنف الطائفي في السويداء كذريعة متكررة للتدخل العسكري المباشر، ووثّقت تقارير استمرار الدعم الإسرائيلي لميليشيات درزية محلية، في خطوة ترى دمشق أنها تغذي الانقسام الداخلي وتستثمر فيه لإضعاف الدولة السورية الناشئة.

رابعاً: تطلعات استراتيجية أوسع تتجاوز الإطار الأمني الضيق، عبّر عنها سموتريتش وآخرون بوضوح، تتعلق بإعادة رسم الحدود الإقليمية بشكل دائم على غرار ما يجري في غزة وجنوب لبنان.

دمشق: احتجاج بلا رد، ومفاوضات بلا ضمانات

الموقف السوري الرسمي تحت رئاسة الرئيس أحمد الشرع اتسم بثنائية لافتة: احتجاج كلامي حاد، وانضباط عسكري كامل دون أي رد بالمثل. الحكومة الجديدة، التي ورثت دولة منهكة بعد أكثر من عقد من الحرب وتسعى لرفع العقوبات الدولية واستعادة الشرعية، اختارت أن تقاتل هذه المعركة بالكلمات والمسارات الدبلوماسية وليس بالنار.

في منتدى الدوحة في ديسمبر/كانون الأول 2025، اتهم الرئيس الشرع إسرائيل بأنها تخوض “معركة ضد أشباح”، قائلاً إنه أرسل لها رسائل سلام واستقرار منذ توليه السلطة، “لكن إسرائيل قابلتنا بعنف شديد”، نفّذت أكثر من 1000 ضربة جوية وحوالي 400 توغل، واحتلت مساحات واسعة من الأراضي السورية المتصلة بحدود الجولان. هذا الخطاب مثّل تصعيداً لافتاً مقارنة بنهج الشرع التصالحي السابق تجاه إسرائيل، وبدأت مؤسسات الدولة السورية تتبنى لهجة أكثر حدة بدورها.

أما المطلب السوري الرسمي والثابت في كل جولات التفاوض، فهو واضح: العودة الكاملة لخطوط ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وتفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974 بضماناته الأصلية، ضمن “اتفاق أمني متوازن يحقق السيادة السورية الكاملة ويمنع أي تدخل في الشأن الداخلي السوري”. وزير الخارجية أسعد الشيباني كرر هذا الموقف في بروكسل في مايو/أيار 2026، مؤكداً أن دمشق تريد اتفاقاً أمنياً مع إسرائيل، لكنها تفصل بوضوح بين “التطبيع” و”اتفاق السلام”، ولا تريد أن يأتي التطبيع تحت ضغط القوة العسكرية أو الاستفزاز.

البعثة الأممية أندوف في القنيطرة خاص مؤسسة جولان

واشنطن في قلب المعادلة: وسيط بأجندة مزدوجة

الإدارة الأميركية، التي راهنت سياسياً على نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا، وجدت نفسها تلعب دور الوسيط الضاغط على الطرفين في آن واحد. ترامب نفسه، الذي عبّر عن أمله في أن “يتفق نتنياهو مع سوريا”، أرسل مبعوثه الخاص توم براك ومستشاريه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للتوسط بين الجانبين.

سلسلة من جولات التفاوض جرت في باكو، باريس، ولندن، تخللتها انهيارات وتعليقات متكررة. في سبتمبر/أيلول 2025، انهارت جولة مباشرة جمعت الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي حينها رون ديرمر، فتبع ذلك تصعيد إسرائيلي حاد بلغ نحو 200 توغل في تشرين الأول وكامون الأول وحده -ضِعف المعدل الشهري السابق- في خطوة قرأها محللون كأداة ضغط لانتزاع تنازلات سورية. واستؤنفت المفاوضات في 5 يناير/كانون الأول 2026 بطلب شخصي من ترامب.

في 6 يناير/كانون الثاني 2026، عقدت باريس جولة وُصفت بـ”الإيجابية”: اتفق الطرفان على تشكيل “آلية اندماج” مشتركة بإشراف أميركي لتبادل المعلومات الاستخباراتية، ونزع فتيل التصعيد العسكري، والتواصل الدبلوماسي، وبحث الفرص التجارية. لكن مصدراً سورياً تحدث لرويترز شريطة عدم ذكر اسمه قال إن دمشق لن تستطيع التقدم في “الملفات الاستراتيجية” دون جدول زمني واضح وقابل للتنفيذ للانسحاب الإسرائيلي.

في فبراير/شباط 2026، أوضح الشيباني أن المفاوضات تتركز على انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، وتستثني صراحةً ملف الجولان نفسه القائم منذ حرب 1973 -أي أن دمشق، عملياً، تفصل بين المعركة على “التوسع الجديد” والمعركة الأكبر على “الجولان التاريخي”، وتؤجل الثانية إلى أجل غير معلوم.

مقترح أميركي مثير للجدل: نموذج كامب ديفيد على الطريقة السورية؟

أحد أبرز ما كشفته المفاوضات هو مقترح أميركي لتقسيم جنوب سوريا إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج) على غرار اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر، لكن بفارق جوهري شدد عليه محللون عرب: مصر استعادت سيناء بالكامل، بينما يحتفظ هذا المقترح بسيطرة إسرائيل على معظم الجولان كأمر واقع. كل منطقة من الثلاث تخضع لقيود مختلفة على القوات والتسلح، بحيث تُمنع القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة من المنطقة المنزوعة السلاح، ولا يُسمح فيها إلا للشرطة وقوى الأمن الداخلي.

وبحسب تحليل نشره معهد الدوحة للدراسات، فإن هذا المقترح “يحمل تداعيات خطيرة، لأنه يقوّض السيادة السورية على الجنوب ويهدد وحدة أراضي البلاد”، إذ يفتح الباب لتدخلات إسرائيلية واسعة في الشأن الداخلي السوري بذريعة حماية الدروز، تحديداً في القنيطرة وريف دمشق والسويداء. ويرى التحليل أن قبول دمشق بهذا المقترح “دون توافق شعبي أو شرعية دستورية، سيلحق ضرراً تاريخياً بموقف سوريا في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي”، وسيُضعف موقفها التفاوضي المستقبلي بشأن استرداد الجولان نفسه.

كما يتضمن المقترح -وفق ما تسرّب- شرطاً وُصف بـ”المثير للسخرية”: أن تتعهد إسرائيل بعدم التدخل في الشأن الداخلي السوري وبالاعتراف بحكومة الرئيس الشرع، في حين أن إسرائيل ذاتها لا تزال تحتل أراضٍ سورية. يرى منتقدون أن هذا الشرط يقلب المنطق: يُطلب من سوريا أن تضمن اعتراف دولة محتلة لأراضيها بحكومتها الشرعية.

التصعيد الأخير: عندما “تتجاوز” إسرائيل واشنطن نفسها

أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق -من زاوية مستقبل المسار التفاوضي- هو ما وثّقه مركز “سوفان” في ديسمبر/كانون الأول 2025 تحت عنوان لافت: “في تحدٍّ لترامب، إسرائيل توسّع منطقتها العازلة في سوريا”. فحادثة بيت جن، التي قُتل فيها 14 شخصاً، وزيارة نتنياهو لبلدة “حضر” بعدها، قُرئتا كرسالة إسرائيلية مفادها تأكيد التفوق الاستراتيجي لانتزاع تنازلات سورية أكبر في المفاوضات، وليس كاستجابة لضغط أميركي بالتهدئة.

نتنياهو نفسه صرّح، في سياق زيارته لحضر: “سوريا لها مصلحة لا تقل عن مصلحة إسرائيل -وربما أكبر- في التوصل لاتفاق أمني معنا”، مضيفاً أن وفد الرئيس الشرع التفاوضي لم يعرض على إسرائيل حتى تلك اللحظة سوى “منطقة عازلة جنوبية ضيقة” أقل بكثير من مطالب إسرائيل بـ”اتفاق أمني شامل” يتضمن تنازل سوريا الفعلي عن معظم الجولان. وأضاف: “بروح طيبة وتفاهم، يمكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا”.

هذا التصعيد جاء بالتزامن مع كشف معلومات عن استمرار الدعم الإسرائيلي لميليشيات درزية في السويداء، ونشر لواء عسكري إسرائيلي حديث التشكيل (يوصف بأنه “متشدد دينياً”) في مناطق سورية محتلة، مما عمّق المخاوف من أن واشنطن نفسها قد بدأت تفقد بعض أوراق الضغط على حليفتها الإسرائيلية في هذا الملف.

أين أصبحت المفاوضات؟ المسار حتى يونيو/حزيران 2026

بحلول الربع الثاني من 2026، يمكن رسم خريطة طريق المفاوضات على النحو الآتي:

تجديد مجلس الأمن الدولي تفويض قوة “الأندوف” في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 لستة أشهر إضافية حتى 30 يونيو/حزيران 2026، وسط تقارير أممية متكررة عن استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق 1974، شملت تعزيز عشر مواقع عسكرية إسرائيلية على الجانب السوري من المنطقة العازلة، وأعمال هندسية وإنشائية مستمرة، وتقييد حركة عناصر الأندوف في ست مناسبات على الأقل، بما في ذلك عبر حواجز وبوابات أنشأها الجيش الإسرائيلي، وحادثة “مواجهة عدائية” مع دورية تابعة للأندوف اعتذرت إسرائيل عنها رسمياً بعد ذلك.

في موازاة ذلك، استمرت اللقاءات الدبلوماسية، وزار الأمين العام المساعد للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا بعثات الأمم المتحدة في المنطقة، بما فيها الأندوف، في يناير/كانون الثاني 2026.

أما على المستوى الرسمي، فالموقف الإسرائيلي -كما عبّر عنه وزير الخارجية جدعون ساعر- يؤكد أن الجولان سيبقى “تحت السيطرة الإسرائيلية في أي تسوية”، وهو موقف لا تطاله المفاوضات الجارية أصلاً، التي تتركز على “المنطقة العازلة” وما احتُل بعد ديسمبر/كانون الأول 2024 حصراً، وليس على الجولان نفسه.

السيناريوهات الممكنة: كيف يمكن أن تنتهي الأزمة؟

استناداً إلى مسار المفاوضات الحالي وموازين القوى على الأرض، يمكن رسم أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذا الملف:

السيناريو الأول – اتفاق أمني محدود (الأكثر احتمالاً على المدى القصير): يتم التوصل إلى تفاهم جزئي يقوم على تثبيت “منطقة عازلة” جديدة أوسع من تلك المتفق عليها في 1974، مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وجزئي من بعض المواقع الأكثر إثارة للجدل (كقرى مثل جملة ومرعبة)، بينما تحافظ إسرائيل على نقاط ارتكاز استراتيجية، خصوصاً في محيط جبل الشيخ. هذا يتسق مع طبيعة المفاوضات الجارية التي وصفها أحد التحليلات بأنها “تسوية أمنية عملية لا سلام ثوري”، وهو الإطار الذي تدفع باتجاهه واشنطن لأنه يحقق “إنجازاً دبلوماسياً” قابلاً للتسويق سياسياً دون أن يفرض على إسرائيل تنازلات جوهرية.

السيناريو الثاني – تثبيت الوضع الراهن كأمر واقع دائم: في ظل استمرار التوسع الاستيطاني (مشروع الـ3000 عائلة، وتصريحات سموتريتش الصريحة عن “خطوة سياسية حاسمة”)، وبناء جدار حدودي بمواصفات دائمة بقيمة 1.7 مليار دولار، تتعزز فرضية أن إسرائيل لا تنوي فعلياً الانسحاب من غالبية ما احتلته، و تسعى لتحويل الاحتلال “المؤقت” إلى ضمّ زاحف دائم، مستفيدة من ضعف الدولة السورية الناشئة وانشغالها بإعادة البناء الداخلي. في هذا السيناريو، تستمر المفاوضات كغطاء دبلوماسي بلا نتيجة جوهرية على الأرض، شبيهاً بما جرى مع الجولان نفسه طوال نصف قرن.

السيناريو الثالث – تصعيد عسكري واسع: يبقى هذا السيناريو أقل احتمالاً نظراً لانضباط دمشق العسكري الصارم حتى الآن وحرصها على تجنب الانجرار إلى صراع لا تقدر عليه، إلا أن استمرار سقوط القتلى السوريين (كما في بيت جن وكويا)، وتصاعد الخطاب الرسمي السوري الحاد كما ظهر في خطاب الرئيس الشرع بالدوحة، يحملان احتمال أن تتجاوز ضغوط الشارع السوري والمؤسسات الأمنية الداخلية قدرة الحكومة على ضبط رد الفعل، خصوصاً إذا تكررت حوادث مثل مقتل 14 مدنياً في عملية واحدة.

السيناريو الرابع – تسوية شاملة وتطبيع كامل: هو الأبعد احتمالاً في الأفق المنظور، رغم أنه الهدف الذي تطمح إليه واشنطن ضمن رؤية ترامب لتوسيع “اتفاقيات أبراهام”. فالرئيس الشرع نفسه أوضح في تصريحات سابقة أن “هناك حساسية كبيرة تجاه الملف الإسرائيلي” بسبب استمرار احتلال الجولان، وأن “الوقت ما يزال مبكراً جداً” للحديث عن التطبيع، كما أن دمشق تصرّ على الفصل التام بين “اتفاق السلام/الأمن” و”التطبيع”، وترفض أن يأتي الثاني تحت أي ضغط عسكري.

(Michael Giladi Flash90) دورية إسرائيلي بالقرب من مجدل سمش المحتلة المصدر

القراءة التحليلية: لماذا هذا الملف مختلف عن غزة ولبنان؟

ما يميّز الحالة السورية، بحسب التحقيق البصري الذي أجرته الجزيرة بمقارنتها مع غزة وجنوب لبنان، هو غياب “خط معلن” تتفاوض الأطراف على أساسه. في غزة، هناك “الخط الأصفر” المعلن ضمن اتفاق وقف إطلاق نار رسمي. في جنوب لبنان، هناك آلية أميركية-فرنسية مشتركة لرصد الانتهاكات. أما في سوريا، فالواقع الميداني يتشكل “من القاعدة إلى القمة”: مواقع عسكرية ثابتة تُنشأ تدريجياً، وتوغلات متكررة ومتغيرة الموقع، دون خريطة معلنة تحدد حدود السيطرة بدقة -وهذا الغموض المتعمد بحد ذاته يمنح إسرائيل مرونة تفاوضية أكبر، ويجعل من الصعب على أي وسيط، بما فيه واشنطن، تحديد “خط أحمر” واضح للانسحاب.

العامل الثاني هو ضعف الدولة السورية الجديدة، التي ما تزال في عامها الثاني فقط، تواجه تحدي إعادة بناء مؤسسات الدولة وجيش موحد من فصائل متعددة، واقتصاد مدمر بعد عقد ونصف من الحرب، وحاجة ملحة لرفع العقوبات الدولية. هذا الواقع يجعلها، كما يلاحظ معهد “جي ستريت”، طرفاً تفاوضياً أضعف بنيوياً، إذ إن عجزها عن السيطرة الكاملة على الفصائل المسلحة المتفرقة على أرضها يحدّ -حتى الآن- من جدوى أي اتفاق تتفاوض عليه، بصرف النظر عن حسن نياتها.

العامل الثالث هو أن الورقة الدرزية تحوّلت إلى أداة مزدوجة الاستخدام: فهي بالنسبة لإسرائيل ادعاء لغطاء إنساني-أخلاقي لتدخل استراتيجي، لكنها بالنسبة لدمشق وللداخل السوري قضية سيادة وانقسام مجتمعي حساسة، يصعب إدارتها دون مزيد من التصعيد الطائفي الداخلي الذي قد يخدم أهداف إسرائيل في إضعاف الدولة السورية الموحدة على المدى الطويل -وهو الاتهام الذي يكرره مسؤولون سوريون ومحللون عرب مراراً.

خاتمة: جولان جديد فوق جولان قديم

نصف قرن بعد ضم الجولان، تجد سوريا نفسها أمام معضلة مزدوجة: جولان قديم لم تستطع استرداده يوماً، وجولان جديد يتشكل أمام أعينها على الأرض، بمعزل عن كل المفاوضات والبيانات الدبلوماسية. الفارق الوحيد هذه المرة أن المفاوض السوري لم يعد نظاماً منعزلاً دولياً يقاطعه العالم، صار حكومة تسعى لإعادة الاندماج في النظام الدولي، تحت إشراف وسيط أميركي له مصلحة سياسية مباشرة في تسويق “اتفاق” -أي اتفاق- كإنجاز.

السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة ليس فقط: هل ستنسحب إسرائيل من المنطقة العازلة الجديدة؟  الأهم: هل سيتحول “المؤقت” الإسرائيلي -كما تحول في الجولان نفسه قبل خمسين عاماً- إلى واقع دائم آخر يُضاف إلى سجل طويل من “الحقائق على الأرض” التي صنعتها إسرائيل بفعل الوقت والقوة، بانتظار أن يعتاد العالم عليها فلا يعود يسأل عنها؟

  

ملحوظة منهجية: هذا التحقيق استند إلى تقارير ميدانية وتحليلية من مصادر متعددة شملت الجزيرة، معهد واشنطن، مركز سوفان، مركز “سجل” السوري للرصد، تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول قوة الأندوف ومجلس الأمن، معهد الدوحة للدراسات، ميدل إيست آي، إن بي آر، أكسيوس، وموسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، إلى جانب بيانات رسمية صادرة عن الحكومتين السورية والإسرائيلية ومسؤولين أميركيين. الأرقام والتواريخ محدّثة حتى نهاية يونيو 2026.

  • أحمد محمد العمر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top