الكعبة المشرفة (مواقع التواصل الاجتماعي)

كانت رحلة الحج في القرون الماضية تحتاج إلى أموال طائلة وصبرٍ على سفر يمتد لأشهر طويلة، وسط مخاطر الطريق وتقلبات الصحراء. وفي قلب تلك الرحلة كانت دمشق تحتل مكانة استثنائية بوصفها مركز انطلاق قوافل الحج الشامي نحو الديار المقدسة، ومحطة يجتمع فيها المسلمون القادمون من بلاد الشام والأناضول ودول البلقان وأجزاء واسعة من أوروبا الشرقية.

وكان الحجاج يتوافدون إلى دمشق من تركيا وبلغاريا واليونان وروسيا وأوكرانيا ودول البلقان، للالتحاق بقافلة الحج الكبرى التي كانت تنطلق عبر “درب الحج الشامي” باتجاه المدينة المنورة ثم مكة المكرمة. وكثير من هؤلاء الحجاج كانوا يصلون مبكراً ليقضوا شهر رمضان في دمشق، حيث انتشرت الخانات والزوايا التي خصصت لاستقبالهم وإقامتهم قبل متابعة الرحلة.

وخلال العهد العثماني اكتسبت قافلة الحج الشامي أهمية سياسية ودينية كبرى، إذ كانت الدولة العثمانية تعيّن “أميراً للحج” يتولى قيادة القافلة وحمايتها، ويرافقه عدد كبير من الجنود لحراسة الحجاج من هجمات قطّاع الطرق. كما كان الأمير مسؤولاً عن تجهيز “المحمل الشامي” والكسوة الشريفة للكعبة، والتي كانت تُصنع على أيدي حرفيين وصنّاع مهرة في دمشق.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان كان أول من طيّب الكعبة بالعطور، كما أنه أول من كساها مرتين في العام، في تقليد يعكس مكانة البيت الحرام لدى المسلمين واهتمام الدولة الإسلامية المبكر بالعناية به.

كما اشتهرت دمشق عبر قرون طويلة بصناعة كسوة الكعبة من أفخر الأقمشة الدمشقية، وكانت تُجهز ثم تُرسل إلى مكة المكرمة من منطقة الكسوة الواقعة جنوب دمشق، والتي ارتبط اسمها تاريخياً بهذا الدور. ولا يزال الدمشقيون يعتزون بأن مدينتهم كانت موطناً لهذه المهمة الدينية الرفيعة، وأن حرفييها ساهموا في صناعة الكسوة الشريفة التي زيّنت الكعبة عبر عصور مختلفة.

ويُعد المحمل الشامي من أشهر محامل الحج في التاريخ الإسلامي، إذ مثّل رمزاً لسيادة السلطان العثماني على الحرمين الشريفين. وكان عبارة عن صندوق خشبي تعلوه قبة مثلثة الشكل، يُغطى بقماش فاخر مطرز بـ“الصرمة”، وهي خيوط من الذهب الخالص تُنسج بها الزخارف والآيات القرآنية. وداخل المحمل كان يوضع مصحف ملفوف بالحرير، وأحياناً مصحفان، إلى جانب “الصُّرّة” التي تضم الأموال المخصصة لنفقات الحجاج والخدمات المقدمة لهم طوال الرحلة.

أما “السنجق” أو اللواء، فكان يُطرّز هو الآخر بخيوط الذهب وتُكتب عليه آيات قرآنية تتعلق بالحج، بخط كبار الخطاطين في الدولة العثمانية، ثم يُثبت على المحمل الذي يوضع فوق جمل ضخم مخصص لهذه المهمة وحدها، ويحمل معه أيضاً الكسوة السلطانية للكعبة المشرفة.

وكانت قافلة الحج تضم فئات عديدة من العاملين والخدم، بينهم السقاة والبرّاكون والعكّامة وأصحاب المشاعل والخيم والبياطرة والجنود، إضافة إلى أمير الحج ومرافقيه، لتبدو القافلة كمدينة متنقلة تعبر الصحراء نحو الحجاز.

وتبدأ مراسم الاحتفال بخروج القافلة منذ شهر رجب، حين تنطلق “الصُّرّة” من إسطنبول إلى دمشق، لتصل مع بدايات شهر رمضان وسط احتفالات شعبية ورسمية يشارك فيها الوالي ونقباء الأشراف وفرق الجند وأهالي المدينة.

واستمرت احتفالات توديع الحجاج ثلاثة أيام كاملة، حيث كانت تُجلب كميات كبيرة من الزيت من قرية كفرسوسة، وماء الورد من المزة، فيما يُخصص اللوز لإطعام الجملين اللذين يحملان المحمل والسنجق.

وكان موكب الحج ينطلق من سراي الحكم وسط الزينة والأناشيد والمباخر، ليجوب أحياء دمشق القديمة ثم يتجه إلى حي الميدان، عابراً باب المصلى والميدان الفوقاني وصولاً إلى “باب الله” أو “بوابة مصر”، قبل أن يتابع طريقه نحو مزيريب ثم إلى الديار المقدسة.

ويرى مؤرخون أن قافلة الحج الشامي شكّلت حدثاً اجتماعياً وحضارياً ضخماً ارتبط بذاكرة أهل دمشق لقرون طويلة، وترك أثراً عميقاً في تاريخ المدينة وعلاقتها بالحرمين الشريفين.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top