دمشق تقر قانوناً جمركياً جديداً يشدد إجراءات مقاطعة إسرائيل

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم (109) لعام 2026 المتضمن قانوناً جديداً للجمارك، يحل بدلاً من قانون عام 2006 وتعديلاته. ويتضمن القانون الجديد أحكاماً مشددة تحظر دخول حاملي الجنسية الإسرائيلية إلى الأراضي السورية، وتمنع استيراد أو إدخال البضائع ذات المنشأ الإسرائيلي إلى الأسواق المحلية والمناطق الحرة، معتبراً إياها جريمة تهريب كبرى تمس الأمن القومي.
​ونصت المادة (112) من المرسوم الجديد على منع دخول عدة فئات من البضائع إلى المناطق الحرة، وفي مقدمتها البضائع المخالفة لأحكام مقاطعة إسرائيل، والبضائع التي يعود منشؤها إلى دول تقرر مقاطعتها اقتصادياً، بالإضافة إلى الأسلحة، والذخائر، والمخدرات، والمواد المخالفة لحماية الملكية الفكرية. وفي هذا السياق، أكد مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، أن الحظر يشمل جميع المنتجات ذات المنشأ الإسرائيلي دون استثناء، سواء كانت متجهة للمناطق الحرة أو الأسواق الداخلية.
​على الصعيد القضائي، منحت المادة (206) من القانون المحكمة الجمركية صلاحية الحكم بـ “النفاذ المعجل” في القضايا المتعلقة بتهريب البضائع الإسرائيلية، أو السلاح، أو المخدرات مهما بلغت قيمتها. كما ألزمت المادة (217) المحكمة بفرض الغرامات القصوى في الظروف المشددة، والتي تشمل مخالفة بيان الحمولة (المانيفست) فيما يخص مكان الشحن من الدول المقاطعة اقتصادياً. وتأتي هذه التشريعات لتحديث وتثبيت بنود سياسة المقاطعة المعمول بها في سوريا تماشياً مع قوانين مقاطعة إسرائيل الصادرة عن جامعة الدول العربية منذ خمسينيات القرن الماضي.

​سياق إدخال البضائع والالتفاف على المقاطعة:

​تواجه السلطات الجمركية والرقابية في الأسواق المحلية تحدياً متزايداً تتمثل في محاولات إدخال مواد وبضائع وعلامات تجارية عالمية تصنف ضمن “دائرة المواد المقاطعة”. وتأتي هذه التعقيدات نتيجة لامتلاك بعض هذه العلامات من قبل شركات إسرائيلية، أو لارتباطها المباشر بدعم الحركة الصهيونية والأنشطة الاستيطانية عبر استثمارات ضخمة أو تبرعات معلنة.
​وتتم عمليات الدخول غالباً عبر آليات التفافية تشمل:
​ تغيير بلد المنشأ المستنداتي: فتقوم بإعادة شحن البضائع عبر دول وسيطة (ترانزيت) وتعديل وثائق الشحن وبيانات الحمولة لإخفاء المصدر الحقيقي.
​الشركات العابرة للقارات وسلاسل التوريد المعقدة: كما تلجأ بعض الشركات الى دمج شركات تابعة لجهات داعمة للصهيونية تحت مظلة شركات أم متعددة الجنسيات تبدو في الظاهر غير مشمولة بالمقاطعة، مما يصعّب مهمة الفحص الفني والتدقيق في الهوية القانونية للمالك النهائي (Ultimate Beneficial Owner).
​الامتيازات التجارية (Franchise):
وتلجا بعض الشركات ايضا الى دخول السلع تحت أسماء تجارية محلية أو إقليمية مرخصة، بينما تذهب أرباحها أو نسب من مبيعاتها لدعم جهات تابعة للاحتلال.
​يهدف القانون الجمركي الجديد (المرسوم 109) عبر مواده المشددة وخاصة الغرامات القصوى على “مكان الشحن”، إلى سد هذه الثغرات وتوفير غطاء قانوني صارم يتيح للأجهزة التنفيذية تتبع المنشأ الفعلي للسلع والعلامات التجارية، ومكافحة الشركات الرمادية التي تحاول اختراق الأسواق السورية بطرق غير مباشرة
ويرى مراقبون ان الانتقال من القانون رقم (3) لعام 2006 إلى المرسوم (109) لعام 2026 يمثل تحولاً جذرياً في العقيدة الجمركية؛ فبينما كان قانون عام 2006 يركز في منطلقاته على تنظيم حركة التجارة التقليدية، وحماية موارد الخزينة العامة من خلال الرسوم، وضبط المنافذ بآليات كلاسيكية، جاء قانون عام 2026 ليربط العمل الجمركي مباشرة بمفهوم “الأمن القومي الشامل”.
وفي هذه الحال ​لم يعد دور الجمارك مقتصراً على الجباية والرقابة المالية، بل تحول إلى خط دفاع أول يتشابك فيه السياسي بالاقصادي والأمني، وهو ما يفسر إدراج مواد صريحة تتعلق بالسيادة وبأحكام المقاطعة السياسية والاقتصادية كجزء لا يتجزأ من صلب العملية الجمركية اليومية.

الفروق الأساسية في آليات الحظر والمقاطعة الاقتصادية

 ​تتجلى الفروق الكبرى بين القانونين في كيفية التعاطي مع السلع والبضائع المحظورة، وتحديداً تلك المرتبطة بقرارات المقاطعة:
​توسيع نطاق الحظر وآليات التدقيق: في قانون 2006، كانت إجراءات المقاطعة تُطبق بناءً على لوائح وتعاميم إدارية تصدر بالتنسيق مع مكتب مقاطعة إسرائيل، وغالباً ما كانت تركز على “بلد المنشأ المباشر”. أما في قانون 2026، فقد دُمجت أحكام المقاطعة في البنية التشريعية الأساسية للقانون (مثل المادة 112). ولم يعد الحظر مقتصراً على السلع التقليدية، بل امتد ليشمل “بلد الشحن” والشركات الرمادية وعبر القارية، مما يعطي السلطات مرونة قانونية لملاحقة السلع والشركات التي تلتف على القوانين عبر طرف ثالث أو إعادة التعبئة.
 ​إغلاق ثغرة المناطق الحرة: شكلت المناطق الحرة في السابق مساحة مرنة قد تُستغل لتخزين أو إعادة توجيه بعض البضائع تحت مسميات تجارية مختلفة. جاء القانون الجديد ليضع قيوداً صارمة تمنع دخول أي بضائع مخالفة لأحكام المقاطعة أو للملكية الفكرية إلى المناطق الحرة أصلاً، مساوياً إياها بالأسواق المحلية من حيث الحظر المطلق.

​الهيكلية القضائية وتسريع الأحكام

​أحدث قانون 2026 ثورة في الجانب الإجرائي والقضائي مقارنة بالمنظومة السابقة لعام 2006: من الإجراءات المطولة إلى النفاذ المعجل: بموجب قانون 2006 وتعديلاته، كانت قضايا التهريب تمر بمسارات تقاضٍ طويلة أمام المحاكم الجمركية البدائية والاستئنافية، وكان بالإمكان المماطلة في تنفيذ العقوبات أو حجز البضائع. في المقابل، منحت المادة (206) من قانون 2026 المحكمة الجمركية صلاحية الحكم بـ “النفاذ المعجل” في قضايا محددة (كالمخدرات، والسلاح، والبضائع الإسرائيلية). هذا يعني أن الأحكام تصبح واجبة التنفيذ فوراً حتى لو تم الطعن فيها، مما يحرم المهربين من فرصة المناورة القانونية.
​تشديد العقوبات ومنع التلاعب بالمستندات:
اعتمد القانون القديم على غرامات مرتبطة بالقيمة المالية للبضاعة، والتي قد تتأثر بفرق العملة أو التقييم الجمركي. أما القانون الجديد (المادة 217) فقد فرض “الغرامات القصوى” في الظروف المشددة، واعتبر التلاعب بـ “بيان الحمولة” (المانيفست) لإخفاء بلد الشحن أو الدول المقاطعة جريمة تستوجب العقوبة الأشد، لقطع الطريق على عمليات التزوير المستنداتي.
​ وخلاصة القول ، ان المشرّع في قانون 2026 انتقل من المقاربة “المالية والتنظيمية” التي ميزت قانون 2006، إلى مقاربة “ردعية حمائية” تسد الثغرات المستحدثة الناتجة عن تعقد سلاسل التوريد العالمية، وتمنح الأجهزة الجمركية والقضائية أدوات أسرع وأقوى لفرض السيادة الاقتصادية.

  • ميساء الشيخ حسين

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top