تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن وسط مشهد إقليمي بالغ التعقيد، إذ تتقاطع على طاولة واحدة حسابات الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، وضغوط إسرائيلية تهدف إلى فرض وقائع ميدانية قبل أي اتفاق، ومحاولة لبنانية لانتزاع وقف إطلاق نار يوقف الانهيار الإنساني في الجنوب، فيما تسعى واشنطن إلى منع توسّع الحرب من دون امتلاك القدرة على فرض تسوية حقيقية.
وتأتي هذه الجولة في ظروف استثنائية دفعت وزارة الخارجية الأميركية إلى تخصيص يومين كاملين من الاجتماعات المغلقة، في إشارة إلى رغبة واشنطن في إظهار أعلى درجات الجدية، رغم غياب وزير الخارجية لانشغاله بمرافقة الرئيس الأميركي في زيارته إلى الصين، ما جعل إدارة الجلسات بيد فريق ثانوي يضم مايك هاكابي وميشال عيسى ومايك نيدهام، في محاولة للحفاظ على زخم تفاوضي لا يعكس بالضرورة قدرة فعلية على تحقيق اختراق.
يدخل لبنان المفاوضات بموقف واحد واضح هو تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى أي بند آخر، سواء الانسحاب من المناطق المحتلة أو ملف الأسرى أو إعادة الإعمار، وهو موقف أعادت رئاسة الحكومة التأكيد عليه باعتباره الحدّ الأدنى الذي يمكن للدولة الدفاع عنه في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي واتساع رقعته جنوباً، حيث تجاوز عدد النازحين المليون ونصف المليون، وتحوّلت عشرات القرى إلى مناطق منكوبة بفعل القصف المتواصل الذي لم تتوقف وتيرته رغم الهدنة الهشة.
ورغم رفع مستوى التمثيل اللبناني عبر تكليف السفير سيمون كرم برئاسة الوفد ومنحه غطاءً سياسياً مباشراً من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، تبقى قدرة الدولة على فرض شروطها محدودة بفعل عاملين متلازمين:
الأول: هو التفوق العسكري الإسرائيلي الذي يتيح لتل أبيب استخدام النار كأداة تفاوضية موازية، والثاني: هو تموضع حزب الله خارج المفاوضات ورفضه الاعتراف بها، ما يجعل الدولة تفاوض وحدها فيما القوة العسكرية الفعلية خارج الطاولة، الأمر الذي يخلق فجوة بين الموقف السياسي الرسمي والواقع الميداني الذي تتحكم به المقاومة.
أما إسرائيل، فتدخل المفاوضات بثقة ناتجة عن تفوقها العسكري، لكنها في الوقت نفسه تخشى تحوّل الحرب إلى استنزاف طويل، خصوصاً بعد سلسلة عمليات نوعية نفّذها حزب الله في العمق الإسرائيلي، وبعد اغتيال قائد قوة الرضوان أحمد بلوط في بيروت وما تبعه من تصعيد واسع في الجنوب، ما دفع القيادة الإسرائيلية إلى محاولة استخدام المفاوضات كأداة سياسية مزدوجة: من جهة لإظهار الانفتاح أمام واشنطن التي تضغط لوقف التصعيد، ومن جهة أخرى لفرض شروطها على الدولة اللبنانية عبر التمسك بمطلب نزع سلاح حزب الله، وهو شرط تعتبره غير قابل للتفاوض، وتتعامل معه كمدخل لأي اتفاق مستقبلي، رغم إدراكها أن هذا الشرط غير قابل للتحقق في الظروف الحالية.
وفي المقابل، تحاول واشنطن الفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد أن لبنان جزء مباشر من الاشتباك الأميركي – الإيراني، وأن أي تفاوض لا يمكن عزله عن مسار الحرب الأكبر التي تتصاعد يومياً بين واشنطن وطهران، سواء عبر الضربات المتبادلة في العراق وسورية، أو عبر المواجهة المفتوحة في البحر الأحمر، أو عبر الضغط الأميركي المتواصل على إيران لوقف دعمها لحلفائها في المنطقة.
وتدرك الإدارة الأميركية أن أي اتفاق في لبنان يحتاج إلى موافقة إيرانية غير متوفرة حالياً، لأن طهران تتمسك بوقف شامل للنار قبل أي تفاوض، بينما تواصل واشنطن الضغط العسكري والسياسي، ما يجعل لبنان ساحة متأثرة لا مؤثرة، ويضع سقفاً صارماً على أي تقدم تفاوضي.
وتأتي هذه الجولة في ظل هدنة هشة تنتهي في 17 أيار، فيما تواصل إسرائيل خرقها يومياً عبر غارات مكثفة خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وأدت إلى تدمير واسع للبنى التحتية، بينما يردّ حزب الله بقصف صاروخي يستهدف مواقع عسكرية إسرائيلية تمتد من الجليل إلى ما بعد حيفا، في مؤشر على اتساع نطاق الاشتباك، ما يجعل المفاوضات أقرب إلى محاولة لمنع الانفجار الكامل منها إلى مسار يؤدي إلى تسوية، إذ تشير المعطيات إلى غياب أي اختراق محتمل، وإلى أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو تمديد الهدنة أو تثبيت وقف نار مؤقت، فيما تبقى الملفات الجوهرية معلّقة بانتظار تطورات الحرب الأكبر.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام مفاوضات لا يملك ترف الانسحاب منها ولا القدرة على فرض شروطه داخلها، إذ يدرك أن غيابه يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، وأن حضوره لا يضمن تحقيق مكاسب فعلية، لأن القرار النهائي لا يُصنع في واشنطن وحدها، بل في الاشتباك المفتوح بين الولايات المتحدة وإيران، وفي حسابات إسرائيل التي تستخدم الميدان لفرض شروطها.
وفي المحصلة، لا يفاوض لبنان اليوم على وقف نار فحسب، بل على موقعه في خريطة إقليم يعاد تشكيله تحت النار، وعلى دوره في مرحلة ما بعد الحرب، وعلى حدود قدرته على حماية ما تبقى من سيادته في زمن تتداخل فيه الجبهات وتتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية بطريقة تجعل أي تفاوض جزءاً من معركة أكبر لا تزال فصولها مفتوحة.






