حين يهان القمح يجوع الوطن

تحت شمس الجزيرة السورية، لا يبدو الذهب الأصفر هذا العام محصولاً ينتظره المزارعون بعد عام كامل من الصبر والدين والترقب، إنه اختبار قاصٍ للبقاء، ومعركة صامتة بين عرق الجبين وحبر المكاتب. في الرقة، والحسكة، ودير الزور، لم يعد الحصاد موسماً للفرح، بل تحول إلى موجة من الغضب المكتوم والرفض الواسع لتسعيرة شراءٍ جائرة، جاءت لتؤكد للمزارع أن من وضع الأرقام على الطاولات الفخمة، منفصل تماماً عن واقع الأرض التي يرويها الفلاح بدمه وعرقه.
​في هذه البلاد التي تتنفس زراعة، تحولت “الدورة الزراعية” من خطة تنموية إلى قيد يطوق عنق المزارع…. أين هو حق الأرض؟ أين المازوت والسماد والبذار المدعوم؟ لقد تخلت السياسات عن واجبها، وتركت المزارع وحيداً في مواجهة السوق السوداء، ليصبح كل دونم يُزرع مغامرة غير محسوبة، كلفة إنتاجها تفوق الخيال، وطريق الوصول إليها يمر عبر مخاطر أمنية تجعل من الحصاد رحلة محفوفة بالخطر.
​حين خرجت الأصوات غاضبة من حقول الجزيرة، كان انفجاراً لتراكم طويل من التهميش.
السؤال المصيري الذي يوجهه المزارعون اليوم لـ “صاحب القرار” يبدأ من بديهيات الإدارة: على أي أساس سُعِّر هذا القمح؟ هل نزل المسؤول إلى الحقل؟ هل سأل لجان الفلاحين عن فواتيرهم؟ والخوف كل الخوف ليس من خسارة هذا الموسم فحسب، بل من الكارثة المجتمعية التي تلوح في الأفق، فحين يبخس المسؤول سعر القمح، فإنه يحكم على الريف بالإعدام، ليدفع بالمزارع إلى ترك أرضه والهجرة نحو المدن، فتفرغ الحقول، وتكتظ العشوائيات بالفقر والبطالة والجريمة.
​الأخطر من ذلك كله، هو الجهل الاقتصادي الذي تدار به الأزمة. يظن بعض المسؤولين، في قمة نمطيتهم، أن الفلاح يحسب أرباحه بناءً على تكاليف السنة الماضية، غافلين عن حقيقة بسيطة: الفلاح لا يعيش في الماضي. إن الثمن الذي يقبضه اليوم هو رأس ماله ليعيش ويزرع في الموسم القادم. ومع التضخم الكبير الذي يبتلع الأخضر واليابس، فإن التسعيرة التي بالكاد تغطي الديون القديمة، تعني ببساطة أن الفلاح لن يجد ما يشتري به بذاراً أو مازوتاً للموسم الجديد، ليدخل مجبراً في حلقة مفرغة من الفقر والعجز.
​ ما يحدث للقمح في الجزيرة يعيد صياغة مفهوم “رجل الدولة”. رجل الدولة الحقيقي لا تصنعه المظاهر، ولا السيارات الفخمة، ولا المرافقون؛ بل يصنعه الضمير والمسؤولية الشجاعة تجاه أمن البلاد الغذائي. لقمة عيش الناس وحبة القمح الاستراتيجية التي تصون قرار الوطن وسيادته، ليست حقل تجارب للمبتدئين أو ساحة للمصالح الضيقة. ومن يتولى أمانة الناس ومصائرهم وهو يعلم في قرارة نفسه أنه ليس أهلاً لها، ولا يفقه في وجع التراب، فهو في ميزان الدين والإنسانية والوطن… ليس إلا خائناً للأمانة

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top