من الحرب إلى الفقر.. كيف انهارت العلاقات بين الناس؟

لم يعد الناس يثقون بأحد، والسبب لم يعد خافياً على أحد أيضاً. سنوات طويلة من الحرب والفقر والانهيار كانت كافية لتحويل الحذر إلى أسلوب حياة، وتحويل الشك إلى رد فعل يومي عند كثيرين.

في المنطقة الجنوبية من سوريا كما في حال جميع المناطق السورية، تغيّرت العلاقات أكثر مما تغيّرت الشوارع نفسها. الناس لم تعد تخاف فقط من الغلاء أو المستقبل أو انقطاع الخدمات، لأنها بطبيعة الحال باتت تخاف من بعضها أيضاً.

صديق يختفي عند أول أزمة، وقريب يتحول إلى خصم بسبب المال. علاقات تتكسر بسبب سوء الظن أو الغيرة أو الشعور الدائم بأن الجميع يحاول النجاة وحده.

حتى الجلسات العائلية لم تعد كما كانت. الكلام محسوب، والثقة ناقصة، والناس تدخل إلى العلاقات وهي تتوقع الخذلان مسبقاً.

على وسائل التواصل يبدو المشهد أكثر غرابة. الجميع يضحك في الصور، لكن خلف الشاشات تظهر مدن كاملة متعبة نفسياً، وغاضبة، ومتوجسة من كل شيء.

شاب من ريف دمشق كتب: «صرنا نخاف أن نحكي ما بداخلنا.. لأن أي كلمة قد تُستخدم ضدنا لاحقاً».

وفي منشور آخر من درعا: «أصعب ما حدث أننا لم نعد نستغرب تغير الناس»

لا يمكن لهذه البوستات اليومية وعددها بالآلاف أن تكون عابرة، قد تكون وصف دقيق لتحول اجتماعي عميق أصاب المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة.

لكن المشكلة الحقيقية أن هذا التآكل لم يعد يهدد العلاقات وحدها فقط، كونه بات يهدد فكرة المجتمع نفسها. فأي بلد لا يستطيع أن يتعافى إذا كان الناس يعيشون بهذا القدر من القلق والشك وانعدام الأمان النفسي.

المجتمعات لا تُبنى بالكهرباء والطرقات وحدها، رغم أهميتها، يجب أن تُبنى أيضاً بالشعور بالعدالة والاستقرار والكرامة والثقة بالمستقبل.

حين يشعر الشاب أن تعبه لن يضيع، وأن القانون يحميه، وأن الفرصة موجودة، يصبح أقل توتراً وأكثر تصالحاً مع الآخرين. وحين تشعر العائلة أن الدولة موجودة فعلاً في حياتها اليومية كجزء وظيفي بإدارة شؤون الناس بشكل ممنهج وواعٍ، يخفّ الخوف ويعود شيء من الطمأنينة المفقودة.

لهذا، فإن دور الحكومة اليوم لا يجب أن يقتصر على إدارة الأزمات فقط، وإنما على إعادة ترميم الإنسان نفسه.

فالناس تحتاج: فرص عمل حقيقية، وضبط للفوضى والسلاح والتجاوزات، وحماية اجتماعية، ودعماً للتعليم والشباب، ومساحات يشعر فيها المواطن أن حياته يمكن أن تتحسن فعلاً.

كما أن الإعلام، والمدارس، والبلديات، وحتى النشاطات الثقافية والرياضية، ليست أموراً ثانوية كما يعتقد البعض. هذه أدوات تعيد الناس إلى بعضها، وتخفف ذلك الاحتقان الصامت الذي يتراكم كل يوم.

المسألة الأكبر أن كثيرين باتوا يتعاملون مع عبارة: «لا تثق بأحد» وكأنها حكمة طبيعية للحياة، بينما هي في الحقيقة إنذار خطير على حجم التعب الذي أصاب المجتمع.

ورغم كل شيء، لا تزال هناك فرصة لاستعادة جزء من هذه الثقة المفقودة. فالناس في سوريا، رغم كل ما مرت به، لم تفقد إنسانيتها بالكامل. وما يزال كثيرون يبحثون عن شيء بسيط جداً: حياة طبيعية.. يشعر فيها الإنسان أن الآخر ليس عدواً، وأن الغد لا يحمل له خوفاً جديداً كل صباح.

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top