في ريف القنيطرة الجنوبي، وتحديداً في بلدة “غدير البستان”، يتداخل ملف عقاري معقّد بين قرارات تخصيص رسمية، وأعمال تحديد وتحرير، واعتراضات قانونية، وشهادات متقاطعة من الأهالي، وسط اتهامات بحدوث تجاوزات وتغييرات في قيود عقارية تعود لأراضٍ مصنفة ضمن أملاك الدولة أو الأراضي المخصصة لشركة “بركة للإنتاج الزراعي والحيواني”.
التحقيق الذي أعدّته “مؤسسة جولان الإعلامية” يستند إلى وثائق رسمية، وكتب موجهة إلى جهات رقابية، ونسخ عن قرارات وزارية وعقود استثمار، إضافة إلى إفادات من أهالٍ ومتابعين للملف، مع الحرص على عرض الوقائع كما وردت في الوثائق دون الجزم القضائي بأي اتهام، باعتبار أن الفصل النهائي يبقى من اختصاص القضاء والجهات الرقابية المختصة.
من أراضٍ مشاع إلى مشروع استثماري
بحسب الوثائق والإفادات التي اطّلعت عليها “مؤسسة جولان”، كانت أراضي غدير البستان تُدار تاريخياً على نظام الشيوع، مع وجود سندات تمليك تعود لعام 1924 صادرة عن سلطات الانتداب في دمشق آنذاك.
وفي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، تسلّمت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي مساحات من الأراضي المصنفة ضمن أراضي الإصلاح الزراعي، بينها أراضٍ مرتبطة باسم المالك السابق عاصم باغ، قبل أن يتم لاحقاً تخصيص جزء منها لصالح شركة “بركة للإنتاج الزراعي والحيواني”، وهي شركة مساهمة مرتبطة بالقطاع الزراعي المشترك.
وتُظهر الوثائق الرسمية أن وزير الزراعة والإصلاح الزراعي أصدر القرار رقم /597/ بتاريخ 18 نيسان 2004، متضمناً تخصيص عقارات لصالح شركة “بركة” في منطقة غدير البستان بمساحة تقارب 550 دونماً ضمن العقار رقم /45/.
كما أصدرت وزارة الداخلية لاحقاً القرار رقم /6415/ لعام 2006، المتضمن السماح بتسجيل العقار باسم الشركة استناداً إلى قرار التخصيص الزراعي.
وتقول الوثائق إن الشركة باشرت بعد ذلك بأعمال استثمار زراعي شملت تأهيل البنية التحتية وحفر آبار ارتوازية، مع وجود ملفات خاصة بهذه الآبار ضمن سجلات مديرية الموارد المائية في القنيطرة.
الأرض خلال سنوات الثورة
وفق إفادات محلية متقاطعة، بقيت الأرض تحت إدارة شركة “بركة” حتى عام 2011، قبل أن تتغير السيطرة عليها مع خروج المنطقة الجنوبية عن سيطرة النظام البائد آنذاك.
وبحسب شهادات حصلت عليها “مؤسسة جولان”، تولّت فصائل مسلحة إدارة الأرض خلال سنوات النزاع، قبل أن تعود المنطقة إلى سيطرة الدولة السورية عام 2018 ضمن اتفاقات التسوية في الجنوب السوري.
بعد ذلك، حاولت الشركة إعادة تشغيل المشروع الزراعي عبر عقود استثمار جديدة، إلا أن العقود — وفق الشهادات — لم تدخل حيّز التنفيذ بسبب اعتراضات محلية من بعض الأهالي ووجهاء المنطقة.
وتشير الإفادات إلى أن اجتماعات عُقدت آنذاك بحضور شخصيات محلية وفعاليات اجتماعية، انتهت دون الوصول إلى تسوية تسمح بتنفيذ العقد.
لاحقاً، وقّعت الشركة عقد استثمار جديداً في شباط 2020 مع كل من حسين المشيعل والمختار السابق للبلدة عودة محمد الكعيد، يمتد حتى تشرين الثاني 2021.
التحديد والتحرير… نقطة التحول الأخطر
التحول الأبرز في الملف بدأ مع افتتاح أعمال التحديد والتحرير في المنطقة العقارية لغدير البستان عام 2021.
وتشير الكتب الرسمية الصادرة عن مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في القنيطرة إلى مطالبة مديرية المصالح العقارية بالحفاظ على المساحات المستولى عليها سابقاً لصالح الدولة، وتسجيلها باسم الجمهورية العربية السورية باعتبارها “مالكاً مفترضاً” لحين تثبيت الوضع القانوني النهائي.
غير أن ما جرى لاحقاً، بحسب الشكوى المرفوعة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، فتح الباب أمام اتهامات واسعة بوجود مخالفات في تسجيل بعض العقارات.
وتقول الشكوى إن أجزاء من العقار رقم /45/ العائد لشركة “بركة” جرى تقسيمها إلى عقارات جديدة بأرقام مختلفة خلال أعمال التحديد والتحرير، ثم سُجلت بداية باسم الجمهورية العربية السورية، قبل أن يتم – وفق مقدمي الشكوى – إلغاء هذا التسجيل وإعادة نقل بعض العقارات إلى أسماء أفراد محددين.
وتشمل هذه العقارات، وفق الشكوى، الأرقام:
2 – 3 – 6 – 11 – 13 – 14 – 15 – 16 – 17 – 66.
كما تتحدث الشكوى عن عقارات أخرى مرتبطة بمواقع عامة أو مرافق سبق أن تم التنازل عنها للدولة، بينها أراضٍ خُصصت سابقاً لمخفر شرطة وروضة أطفال وثكنة عسكرية وحقل ألغام وحرم وادٍ مائي.
اتهامات بالتزوير… والقضاء في واجهة الملف
الوثائق المرفوعة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تتضمن اتهامات مباشرة لرئيس دائرة أملاك الدولة السابق في مديرية زراعة القنيطرة، ولمختار البلدة السابق، ولرئيس فريق مساحي، إضافة إلى القاضي العقاري الذي أشرف على بعض الإجراءات.
وتقول الشكوى إن عمليات التسجيل جرت – بحسب مقدميها – بالاستناد إلى شهادات مختار دون اعتماد أقوال الجوار أو مراجعة كامل الوثائق الرسمية، وهو ما يعتبره أصحاب الاعتراض مخالفة لقانون التحديد والتحرير الصادر عام 1926.
ويستند مقدمو الشكوى إلى مواد قانونية تنص على ضرورة الاستماع إلى المختار والمجاورين معاً، وإدراج الوثائق والسندات ضمن محاضر التحديد والتحرير، إضافة إلى مواد تجرّم التسجيل بوسائل تزويرية أو عبر شهادات كاذبة.
في المقابل، لا توجد حتى الآن أحكام قضائية نهائية تثبت صحة هذه الاتهامات أو تنفيها، كما لم تصدر ردود رسمية معلنة من الجهات والأشخاص الواردة أسماؤهم في الشكوى وقت إعداد هذا التحقيق.
لماذا يعترض الأهالي؟
يقول أهالٍ من غدير البستان إن المشكلة لا تتعلق فقط بعقار شركة “بركة”، بل تمتد – بحسب روايتهم – إلى تأثيرات أعمال التحديد والتحرير على ملكيات خاصة قديمة تعود لعائلات تملك سندات تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.
ويؤكد مقدمو الشكوى أن اعتراضهم الأساسي يتمثل في ضرورة الفصل بين:
-
أملاك الدولة المثبتة بمحاضر استيلاء رسمية،
-
والأراضي الخاصة المملوكة للأهالي بموجب سندات تمليك تاريخية.
كما يتهم الأهالي مديرية الزراعة – وفق نص الشكوى – بالتوسع في الاعتراض على عقارات خاصة، مقابل عدم الاعتراض على بعض العقارات التي يعتبرون أنها انتقلت إلى أسماء أفراد بطرق مخالفة للقانون.
وثائق متقاطعة وأسئلة مفتوحة
اللافت في الملف أن جزءاً كبيراً من الوثائق المشار إليها لا يقتصر وجوده على نسخة واحدة، إذ تقول الشكوى إن نسخاً “حية” من قرارات التخصيص والمخططات والكشوف محفوظة ضمن ملفات رسمية في مديرية الموارد المائية ومديرية المصالح العقارية في القنيطرة.
كما تُظهر الكتب المتبادلة بين الجهات الرسمية أن موضوع الحفاظ على أراضي الدولة في غدير البستان كان مطروحاً قبل بدء أعمال التحديد والتحرير بوقت كافٍ.
ورغم ذلك، بقيت نتائج تلك الأعمال محل نزاع واسع بين الأهالي وبعض الجهات الإدارية.
بين حماية الملكية والمال العام
يكشف هذا الملف حجم التعقيد الذي يرافق قضايا التحديد والتحرير في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة وتبدلات إدارية خلال السنوات الماضية.
فبين وثائق التخصيص الرسمية، وسجلات الإصلاح الزراعي، وشهادات الأهالي، وقرارات القضاة العقاريين، تبدو الحقيقة موزعة بين عدة جهات، فيما يبقى الحسم النهائي مرهوناً بتحقيقات رقابية وقضائية شفافة قادرة على التدقيق في جميع الوثائق والسجلات والقيود العقارية.
وفي ظل خطورة الاتهامات المرتبطة بأملاك الدولة والمال العام، يطالب الأهالي بفتح تحقيق شامل يحدد المسؤوليات القانونية، ويعيد تدقيق عمليات التسجيل والتحديد والتحرير، بما يضمن حماية الملكيات الخاصة وأراضي الدولة في آن واحد.
وفي ختام هذا التحقيق، تؤكد مؤسسة جولان الإعلامية أن جميع المعطيات والوثائق الواردة فيه تستند إلى شكاوى رسمية ووثائق جرى الاطلاع عليها ومقاطعتها مع إفادات ميدانية، مع التأكيد أن الفصل النهائي في أي ادعاءات أو مخالفات يبقى من اختصاص الجهات القضائية والرقابية المختصة.
كما تعلن “مؤسسة جولان” استعدادها الكامل لنشر أي رد رسمي أو توضيح أو وثائق مضادة من جميع الجهات والأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا التحقيق، التزاماً بحق الرد وحرصاً على الوصول إلى الحقيقة وكشف أي ملفات فساد أو تجاوزات تمس المال العام وحقوق الأهالي، بما ينسجم مع المعايير المهنية للعمل الصحفي.
- محمد جابر






