الإخبارية السورية

بعد عامٍ على إعادة إطلاق قناة الإخبارية السورية، تبدو التجربة اليوم أكثر من مجرد مشروع إعلامي جديد؛ إنها محاولة لإعادة بناء مفهوم الإعلام الوطني بعد سنوات طويلة كان فيها هذا القطاع محكوماً بإرث ثقيل، وبخطاب واحد الاتجاه، وبمؤسسات فقدت ثقة الجمهور نتيجة التوجيه السياسي الصارم الذي كان يطغى على المهنية والحرية.

ومع مرور عام على الانطلاقة الجديدة، تتكشف ملامح تجربة مختلفة، تسعى إلى تقديم إعلام يعكس الواقع كما هو، ويمنح السوريين مساحة من الحقيقة كانوا محرومين منها.

إعلام جديد يولد من تحت الركام

لم يكن الطريق سهلاً فالإخبارية السورية، التي عادت إلى العمل بعد سقوط النظام السابق، ورثت مؤسسات منهكة، تجهيزات قديمة، وبيئة عمل تحتاج إلى إعادة بناء كاملة. ومع ذلك، استطاعت خلال عام واحد أن تثبّت حضورها كمنصة وطنية تعتمد على المهنية، وتبتعد عن الأسلوب الدعائي الذي طبع إعلام النظام البائد لسنوات طويلة، وهو إعلام كان كثيرون يرونه أقرب إلى جهاز تضليل سياسي منه إلى مؤسسة إعلامية.

اليوم، تتقدم الإخبارية بخطاب مختلف، يعتمد على التغطية المباشرة، والتحليل، واستضافة الخبراء، وفتح الملفات التي كانت تُعدّ “محرّمة” في السابق.

وهذا التحول لم يكن ممكناً لولا وجود كادر آمن بأن الإعلام الوطني لا يمكن أن يُبنى إلا على الحرية والمهنية.

شهادات من داخل التجربة

الإعلامي محمد الحسين يرى أن العام الأول كان “عام استعادة الثقة”، مؤكداً أن القناة نجحت في تقديم محتوى يقترب من الناس، ويعكس واقعهم، ويبتعد عن الخطاب المعلّب الذي كان سائداً في إعلام النظام السابق.

ويشير إلى أن الإخبارية استطاعت أن تفتح نافذة جديدة للسوريين، وأن تقدم نموذجاً لإعلام مسؤول لا يخشى الحقيقة.

أما مدير القناة جميل سرور، فيصف العام الأول بأنه “عام التأسيس الحقيقي”، مشيراً إلى أن التحديات كانت كبيرة، لكن الإرادة كانت أكبر.
ويكشف سرور عن أرقام لافتة:
أكثر من 400 ألف ساعة بث مباشر
و 4.7 مليار مشاهدة على المنصات الرقمية أيضاً نمو بنسبة 150% في عدد المتابعين و استضافة أكثر من 15 ألف ضيف

هذه الأرقام، كما يقول سرور، ليست مجرد مؤشرات أداء، بل دليل على أن الجمهور السوري كان يبحث عن إعلام جديد، وأن الإخبارية استطاعت أن تملأ هذا الفراغ.

الإعلامي أحمد كنجو قدّم شهادة أكثر قرباً من تفاصيل العمل

تحدّث عن أيام طويلة من التحضير قبل الانطلاقة، عن أجهزة قديمة بنظام XP، عن شراء حاسوب شخصي ليتمكن من إعداد برنامجه، وعن أسابيع من البقاء في دمشق بعيداً عن عائلته.
لكنه تحدث أيضاً عن شعور جماعي بأن “المهمة أكبر من التعب”، وأن إعادة الحياة للإعلام الوطني كانت هدفاً يستحق كل تلك التضحيات.

قدّم كنجو خلال عام واحد نحو 100 حلقة من برنامج بتوقيت سوريا، وشارك في تغطيات حساسة محلياً ودولياً، من معارك الشمال الشرقي إلى أحداث السويداء، وصولاً إلى المتابعة المباشرة للهجمات على إيران.

ويؤكد أن ما تحقق هو ثمرة عمل جماعي، وإيمان بأن الإعلام الوطني يجب أن يكون صوتاً للسوريين لا صدى للسلطة.

بين الماضي والمستقبل… لماذا نحتاج إعلاماً وطنياً حراً؟

التجربة التي تقدمها الإخبارية اليوم تكتسب أهميتها من كونها تأتي بعد عقود كان فيها الإعلام الرسمي أداة بيد النظام السابق، يعتمد على التوجيه، ويغيب عنه النقد، ويُقصي الأصوات المختلفة.

هذا النموذج لم يعد مقبولاً في سوريا الجديدة، ولا يمكن أن يكون أساساً لإعلام يخدم مجتمعاً يسعى إلى إعادة بناء نفسه.

الإعلام الوطني الحر ليس ترفاً، بل ضرورة. فهو جزء من عملية الإصلاح، ومن مسار العدالة، ومن إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

والإخبارية السورية، خلال عامها الأول، قدمت نموذجاً أولياً لما يمكن أن يكون عليه هذا الإعلام: مساحة مفتوحة للنقاش، منصة لعرض الحقائق، وجسر بين المواطن وصانع القرار.

عام أول… وبداية طريق أطول

ما تحقق خلال العام الأول مهم، لكنه ليس نهاية الطريق فالتجربة ما زالت في بدايتها، والتحديات ما زالت كبيرة، لكن الأساس الذي بُني خلال هذا العام يشير إلى أن الإخبارية السورية تسير في الاتجاه الصحيح: إعلام وطني، مهني، حر، يضع السوريين في قلب الحدث، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الحقيقة ليست خطراً، بل شرطاً لبناء المستقبل.

  • بلال محمد الشيخ

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top