مصدر الصورة (مواقع التواصل)

كتب الباحث الفلسطيني ماجد عزام هذا التحليل في سياق قراءته للتطورات الأخيرة التي تشهدها العلاقات الفلسطينية السورية واللبنانية، معتبرًا أن الأسبوع الجاري حمل مؤشرين أساسيين على مسار إعادة ترتيب هذه العلاقات بشكل مؤسساتي ومنظم بعيدًا عن منطق الزواريب والطرق الالتفافية والتجاذبات غير الرسمية، وبما يعكس تحولات أوسع في بنية المشهد الإقليمي بعد تغيرات سياسية في سوريا ولبنان، حيث يشير إلى أن الحديث لا يتعلق بـ“فلسطين جديدة” بالمعنى الذي طُرح في سياق “صفقة القرن” وما ارتبط بها من مشاريع لتصفية القضية الفلسطينية، بل بمسار مختلف تقوده قيادة فلسطينية جديدة تسعى إلى إعادة بناء الحضور السياسي الفلسطيني على أسس أكثر وضوحًا وشرعية بعيدًا عن الأطر التي حاولت الالتفاف على جوهر القضية.

في هذا السياق يبرز حدثان متوازيان، الأول زيارة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ إلى دمشق على رأس وفد رفيع ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع، حيث جرى بحث سبل إعادة تنظيم العلاقة بين الجانبين بشكل رسمي وشفاف عبر القنوات الشرعية، بعيدًا عن تدخلات الفصائل أو استخدام القضية كأداة في صراعات داخلية، والثاني تطور قضائي في لبنان تمثل بتوقيف السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور بناء على مذكرة صادرة عن الإنتربول بطلب فلسطيني رسمي، وهو ما يقرأه عزام باعتباره مؤشرًا إضافيًا على مسار ضبط العلاقات بين المؤسسات الرسمية بعيدًا عن أي أدوار غير نظامية.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الفلسطينية السورية، يشير التحليل إلى أن زيارة الوفد الفلسطيني، الذي ضم شخصيات سياسية وأمنية وقانونية بارزة، جاءت لبحث آليات مأسسة العلاقة وإعادة تنظيمها عبر الأطر الرسمية فقط، مع التركيز على ملفين رئيسيين، الأول التنسيق السياسي في ما يخص القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي بما ينسجم مع المصالح السورية والفلسطينية المشتركة، والثاني ملف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، حيث تؤكد المقاربة المطروحة استمرار تمتعهم بحقوقهم الأساسية كجزء من النسيج الاجتماعي السوري، مع بقاء مسؤولية إدارتهم ضمن تنسيق ثلاثي بين الدولة السورية و”الأونروا” والقيادة الفلسطينية.

أما في ملف اللاجئين، فيعتبر عزام أن هناك فراغًا سياسيًا كبيرًا خلفته سنوات من تراجع دور الفصائل وتداخلها مع النظام السابق، ما يستدعي إعادة بناء تمثيل حقيقي عبر مبادرات مجتمع مدني وهيئات مستقلة، مع تحميل اللاجئين أنفسهم جزءًا من مسؤولية تنظيم تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم، في مقابل انتقاد للقيادة الفلسطينية الرسمية التي لم تقدم تصورًا واضحًا لإدارة هذا الملف خلال العقود الماضية.

وفي السياق ذاته، يتوقف التحليل عند ملف الأملاك الفلسطينية في سوريا التابعة لمنظمة التحرير وفتح وفصائل أخرى، والتي صودرت خلال العقود الماضية، ومن بينها منشآت ومرافق كبيرة، معتبرًا أن هذا الملف كان أحد المحاور غير المعلنة للزيارة، حيث أبدت القيادة السورية الجديدة استعدادًا مبدئيًا للتعاون في إعادتها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي شفاف.

كما يلفت عزام إلى أبعاد داخلية فلسطينية تتعلق بإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل حركة “فتح”، وما يرافق ذلك من صراع على المواقع القيادية، بما في ذلك محاولات إدماج شخصيات من الجيل الجديد في مواقع متقدمة داخل الحركة، في سياق ترتيبات سياسية داخلية لا تزال قيد التشكل.

أما في لبنان، فيرى التحليل أن ما يجري يندرج ضمن مسار تصحيح العلاقة الفلسطينية اللبنانية عبر الأطر الرسمية والقانونية، بما يعزز منطق الدولة والمؤسسات، بعيدًا عن التجاذبات السابقة، مع التأكيد على أن بعض القضايا المثارة تبقى محل جدل سياسي داخلي، لكنها لا تلغي الاتجاه العام نحو تنظيم العلاقة على أسس أكثر وضوحًا.

ويخلص الباحث ماجد عزام إلى أن مجمل هذه التطورات تعكس بداية مسار جديد لإعادة صياغة العلاقات الفلسطينية مع محيطها العربي، خاصة في سوريا ولبنان، على قاعدة المؤسسات والشرعية والوضوح القانوني، مع محاولة تجاوز إرث طويل من الفوضى السياسية وتعدد مراكز القرار، رغم أن هذا المسار لا يزال في بداياته ولم يصل بعد إلى صيغة مستقرة ونهائية.

  • بثينة الخليل

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top