انطلقت مؤسسة حراس الحقيقة في نيسان 2026 كمؤسسة سورية مستقلة، تحمل على عاتقها مهمة تعزيز العدالة الانتقالية، الكشف عن مصير المفقودين، وحماية التراث الثقافي السوري، مستندة إلى إرث طويل من العمل الإنساني والحقوقي الذي جسّدته مؤسسة الدفاع المدني السوري المعروفة بـ”الخوذ البيضاء”.
هذا الانطلاق لم يكن وليد اللحظة، بل هو ثمرة سنوات من الخبرة والتجربة التي راكمها المتطوعون والمؤسسون في الدفاع المدني، حيث شكّلوا نموذجاً فريداً في إنقاذ الأرواح وتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة في ظروف استثنائية خلال سنوات الثورة السورية.
في حديثه “لمؤسسة جولان الإعلامية”، أوضح السيد “إسماعيل العبد الله” مدير المكتب الإعلامي في مؤسسة حراس الحقيقة أن رسالة حراس الحقيقة لا تختلف عن رسالة الخوذ البيضاء، بل هي امتداد طبيعي لها، إذ إن العاملين في المؤسسة الجديدة هم أنفسهم مؤسسو ومتطوعو الدفاع المدني. وأضاف أن برامج المحاسبة، الكشف عن المفقودين، تمكين المؤسسات الناشئة، ومكافحة خطاب الكراهية كانت موجودة بالفعل ضمن الدفاع المدني قبل سقوط النظام، وأن هذه البرامج انتقلت اليوم إلى حراس الحقيقة لتستمر في خدمة المجتمع السوري.
استقلالية المؤسسة وأسبابها:
حول سؤال استقلالية المؤسسة، أكد العبد الله أن قرار تأسيس حراس الحقيقة كمؤسسة سورية مستقلة جاء نتيجة اندماج برامج الاستجابة الطارئة التابعة للدفاع المدني ضمن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، بينما بقيت البرامج ذات الطابع الحقوقي والثقافي خارج هذا الإطار الحكومي.
ومن هنا نشأت الحاجة إلى كيان مستقل يضمن استمرارية هذه الجهود، خصوصاً في ملفات العدالة والمساءلة وحماية التراث الثقافي والبحث عن المفقودين.
وأشار إلى أن المؤسسة وقّعت مذكرة تفاهم مع المراكز الثقافية ومديريات المتاحف، وهو ما يتطلب عملاً منظماً لدعم هذا القطاع الحيوي.
ملف المفقودين: أولوية إنسانية
يُعد ملف المفقودين من أكثر الملفات حساسية في المجتمع السوري، وقد أوضح العبد الله أن مؤسسة حراس الحقيقة تتبنى دعم هيئات العدالة الانتقالية والمفقودين والسلم الأهلي بكل أنواع الدعم اللوجستي والتدريبي.
الهدف الأساسي هو بناء منظومة عدالة مستدامة، تكفل الحق لأهالي الضحايا في معرفة مصير أبنائهم وزيارة قبورهم.
وأكد أن العلاقة مع هيئة المفقودين قائمة بشكل فعال، حيث توجد مراكز ميدانية تنسق على أعلى المستويات للاستجابة للنداءات وتسليم الجثث والرفات وفق الأعراف المتبعة.
العدالة الانتقالية: من التوثيق إلى المساءلة
فيما يتعلق بملف العدالة الانتقالية، شدد العبد الله على أن المؤسسة تتبنى دعم هيئة العدالة الانتقالية والمساعدة على كافة الأصعدة، بهدف تحويل التوثيق إلى مساءلة قانونية حقيقية. فالمؤسسة ترى أن العدالة الانتقالية ليست مجرد شعار، بل هي مسار طويل يتطلب بناء مؤسسات وطنية قوية، وتمكين الأفراد، وتوفير التدريب والدعم الفني لضمان استدامة هذه الجهود بعيداً عن الاعتماد على الدعم الخارجي.
حماية التراث والذاكرة الجماعية
من أبرز برامج المؤسسة أيضاً برنامج حفظ التراث وحمايته، حيث كان للدفاع المدني نشاط واسع في هذا المجال، وسيستمر عبر حراس الحقيقة ليشمل جميع المواقع الأثرية في سوريا.
وقد وقّعت المؤسسة اتفاقية تعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، تهدف إلى تعزيز الجهود الوطنية لحماية التراث الثقافي من المخاطر المختلفة، ودعم عمليات الترميم والتأهيل، وتحسين أنظمة السلامة والأمن في المواقع الأثرية والمتاحف.
وتشمل الاتفاقية بناء القدرات الإدارية والتقنية للكوادر الوطنية، مكافحة التنقيب غير المشروع، ملاحقة القطع الأثرية المنهوبة والعمل على استعادتها، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية للمواقع الأثرية وتطوير أدوات الأرشفة والتوثيق.
بهذا، تسعى المؤسسة إلى صون الذاكرة الجماعية السورية، باعتبارها أساساً للمصالحة والوحدة والسلام المستدام، حيث يشكل التراث المادي والمعنوي جزءاً لا يتجزأ من هوية المجتمع السوري.
الأولويات المستقبلية
في ختام الحوار، أوضح العبد الله أن أولويات المؤسسة في السنوات الأولى تتمثل في دعم وتمكين الهيئات الوطنية على مستوى الأفراد والمؤسسات، وتعزيز كل الجهود الرامية لتحقيق العدالة والكشف عن المفقودين، وتمكين السوريين من إدارة شؤونهم بأنفسهم.
وأضاف أن رؤية حراس الحقيقة تقوم على الحقيقة والعدالة، ورسالتها تصون التراث والكرامة، وقيمها تجمع بين الحياد والتضامن والقيادة المحلية.
ومن خلال هذه الركائز، تطمح المؤسسة إلى بناء سوريا تُصان فيها الحقيقة، وتُحمى فيها الكرامة، وتشكل فيها الذاكرة المشتركة أساساً لمصالحة حقيقية تقود إلى سلام مستدام.
- بلال محمد الشيخ






