صواريخ إيرانية تضرب قواعد أمريكية في المنامة عاصمة البحرين المصدر (رويترز)

تبدأ الحروب في الشرق الأوسط غالبا،  بسلسلة من الإشارات المتراكمة أو تهديدات، أو مناورات، أو ضربات محسوبة، إلى أن يخطئ أحدهم التقدير. اليوم، تقف المنطقة أمام معادلة دقيقة: تصعيد مستمر دون أن تكون حرب شاملة. لكن ماذا لو انكسرت هذه القاعدة؟
 
هذا التحقيق سوف يرصد ما قد يحدث إذا تحولت لعبة الضغط إلى مواجهة مفتوحة.
 
أولاً: خطوط النار غير المعلنة
منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، أصبح النفط سلاحا موازيا للصواريخ.
تستهدف أوكرانيا منشآت روسية، وترد موسكو بإعادة تشكيل طرق التصدير. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الضغط على إيران اقتصاديا، مع إبقاء الخيار العسكري حاضرا في الخلفية.
وهنا نجد أن الخطر الحقيقي  في ترابط الضربات.
لأن أي ضربة لإيران سوف تخرج عن نطاق المحلية  وتتحول إلى صدمة عالمية عبر نقطة واحدة: المضائق.
 
ثانياً: ماذا لو أُغلق هرمز وباب المندب؟
إذا أُغلق مضيق هرمز، جزئيا أو كليا:
· يتعطل 20% من إمدادات النفط العالمية (حوالي 20 مليون برميل يوميا).
· الأسعار: قفزة فورية تتراوح بين 150 و200 دولار للبرميل.
· الأسواق: ذعر، ثم تعطّل، ومن ثم حرب مزايدات بين المستوردين.
 
وإذا تزامن مع تهديد في باب المندب (الذي يمر عبره 12% من النفط المنقول بحرا)، فإن العالم أمام «اختناق مزدوج»: الخليج والبحر الأحمر معا.
هنا، سوف تتحول القضية من شرق أوسطية وتصبح أزمة أوروبية آسيوية مباشرة.
 
ثالثاً: من المستفيد ومن يدفع الثمن؟
الصورة ليست بسيطة:
· روسيا: تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها تخسر السيطرة على السوق. (توازن دقيق).
· أمريكا: تعزز نفوذها كمصدر للطاقة، لكن المواجهة المباشرة مع إيران تكلفها 3 تريليونات دولار (حسب تقديرات البنتاغون القديمة، والأسعار اليوم أعلى طبعا).
· الصين: أكبر مستورد (11 مليون برميل يوميا). من أبرز الخاسرين. وصمتها عن هرمز  عجزا.
· أوروبا: أزمة طاقة ثانية في أقل من عقد. وهذه المرة من دون غاز روسي بديل.
 
لكن وسط هؤلاء، تبرز دولة لم تكن في الحسابات سابقا.
 
رابعاً: سوريا من هامش الصراع إلى قلبه
تقف سوريا في موقع جغرافي فريد: بوابة بين آسيا وأوروبا، وساحل مفتوح على المتوسط.
في الظروف الطبيعية، هذا الموقع لم يُستثمر كما يجب.
لكن في سيناريو تعطّل هرمز وباب المندب، تتغير المعادلة.
 
 كيف يمكن أن تتحول سوريا إلى بديل؟
1. برا: نقل النفط من الخليج أو العراق إلى الساحل السوري عبر شاحنات أو سكك حديد (مكلف، لكنه ممكن).
2. خطوط أنابيب: إعادة تفعيل خط كركوك-بانياس (المعطل منذ 2003) أو إنشاء خط جديد من السعودية عبر الأردن.
3. تصدير بحري: من موانئ طرطوس واللاذقية إلى أوروبا.
بمعنى آخر: سوريا تصبح «ممر العبور البديل» عندما تُغلق الممرات التقليدية.
 
خامساً: ماذا تكسب سوريا – نظرياً؟
إذا أُدير التحول بذكاء (وهو افتراض كبير):
1. عائدات: رسوم عبور تقدر بـ 5-10 مليارات دولار سنويا (مقارنة بـناتج محلي سوري لا يتجاوز 25 مليارا).
2. استثمارات: إعادة تأهيل الموانئ والطرق وخطوط الأنابيب. تكلفة تقديرية: 15-20 مليار دولار على 3 سنوات.
3. موقع استراتيجي: من ساحة صراع إلى عقدة طاقة إقليمية.
4. إعادة إدماج دولي: أوروبا وبعيد عن اخلاقها قد تضطر للتعامل مع دمشق كضرورة.
 
لكن هذا الوجه له ظل.
 
سادساً: وماذا تخسر؟ (الوجه الأكثر واقعية)
التهديدات أربعة:
1. التحول إلى ساحة تصفية حسابات: أي ميناء سوري يُستخدم لتصدير النفط سيكون هدفا. إسرائيل لن تقبل. وحلفاؤها في الشمال السوري لن يصمتوا.
2. ضغط سياسي دولي: صراع نفوذ بين روسيا، وتركيا، وإيران، والغرب داخل الأراضي السورية. كل يريد أن يتحكم بالممر.
3. هشاشة داخلية: البنية التحتية السورية مدمرة. موانئ طرطوس واللاذقية تحتاج إلى 3-5 سنوات إعادة تأهيل. الكهرباء لا تغطي 12 ساعة يوميا. كيف تُدير ممر طاقة عالمي؟
4. المستحيل السوري: أي خط أنابيب في سوريا هو هدف دائم. من سيؤمنه؟ الدولة السورية؟ أم روسيا؟  قسد؟ تحالف جديد؟  الجواب: لا أحد.
الخلاصة: الفرصة نفسها هي التهديد. سوريا قد تكسب، لكنها ربما تتحول إلى ساحة مواجهة على الشريان الجديد.
 
سابعاً: تركيا الشريك أم المنافس؟
لن تقف متفرجة.
· تمتلك بنية تحتية للطاقة (خطوط أنابيب من أذربيجان والعراق).
· تطمح لأن تكون مركز عبور رئيسي لأوروبا.
لذلك، خياراتها مع سوريا ثلاثة:
· التعاون: عبور مشترك، وتقاسم العائدات.
· المنافسة: تطوير ممر بديل عبر أراضيها.
· الاحتواء: جعل أي ممر سوري تحت نفوذها.
الأرجح هو الثالث. تركيا لن تسمح بسوريا قوية مستقلة في مجال الطاقة.
 
ثامناً: السيناريوهات الأربعة القادمة
1. سيناريو الانفراج (احتمال 40%)
تهدئة أمريكية إيرانية. استمرار تدفق النفط. سوريا خارج المعادلة. تعود إلى هامش الصراع.
2. سيناريو الضغط (احتمال 35%)
ضربات محدودة. تهديد المضائق دون إغلاق كامل. الأسعار ترتفع لكن لا تنهار. سوريا تبقى احتمالا على الورق، لا واقعا.
3. سيناريو الانفجار (احتمال 20%)
إغلاق هرمز أو باب المندب. ضرب متبادل للبنية النفطية. الأسعار تتضاعف. سوريا تدخل كبديل اضطراري، مع كل المخاطر الأمنية.
 
4. سيناريو التعطيل المتعمد (احتمال 5%) – الأكثر تجاهلا
قوى إقليمية (إسرائيل + فصائل مدعومة) تمنع تحول سوريا إلى بديل، عبر ضرب البنية قبل اكتمالها أو الضغط السياسي لوقف الاستثمارات. النتيجة: لا ممر، ولا عائدات، ولا فرصة.
 
تاسعا: مؤشرات الإنذار المبكر (اختبار عباد الشمس)
متى نعرف أن السيناريو الثالث أو الرابع يقترب؟ ثلاثة مؤشرات:
1. بدء مفاوضات سرية بين دمشق وشركات طاقة خليجية (السعودية، الإمارات، قطر) لإنشاء خط أنابيب.
2. وصول بعثات هندسية روسية أو صينية لتقييم موانئ طرطوس واللاذقية وإعادة تأهيلها.
3. تصريحات أمريكية أو إسرائيلية عن «قلق من تحول سوريا إلى ممر طاقة حيوي».
 
إذا ظهر اثنان من الثلاثة، فاستعد.
 
عاشرا: ما لم يُكتب بعد «الغاز القطري»
في 2009، اقترحت قطر خط أنابيب إلى أوروبا عبر السعودية، الأردن، سوريا، ثم تركيا. أمريكا عارضت. والحرب السورية دفنته.
لكن في سيناريو إغلاق هرمز، الغاز القطري يصبح سلاحا. وخط الأنابيب نفسه قد يُبعث من الموت، لأن أوروبا ستطلبه وسوريا مرة أخرى في القلب.
 
الخلاصة: الفرصة التي تولد من الأزمة، والسؤال الأصعب
في السياسة، لا توجد فراغات إذا أُغلقت الممرات، تُفتح طرق جديدة. وسوريا، بكل تعقيداتها، قد تجد نفسها فجأة أمام لحظة نادرة: إما أن تتحول إلى شريان طاقة جديد للعالم، أو إلى ساحة مواجهة على هذا الشريان.
الفرق بين الاثنين في من  يملك قدرة القرار. وفي القدرة على البناء قبل وصول الانفجار.
 
لكن السؤال الأصعب، الذي لم يجب عليه أي تحقيق بعد:
هل سوريا اليوم قادرة على اغتنام هذه الفرصة، أم أنها ستبقى رهينة لحظة تاريخية تمر دون أن تلمسها، لأنها ببساطة ليست جاهزة؟ لا سياسيا، ولا اقتصاديا، ولا حتى أمنيا؟
 
الجواب: لا.. لكن التاريخ ينتظر من يتحمل الثمن ولا ينتظر الجاهزين دائما.
 
 (اختبار عباد الشمس):
في الكيمياء: هو اختبار بسيط وسريع لمعرفة إذا كان المحلول حمضيا ام قاعديا يطبق على ورقة عباد الشمس وتتغير  ألوانها (أحمر أو أزرق)
في اسقاط الاختبار على التحليل السياسي والاستراتيجي :
 هو مؤشر واحد أو عدة مؤشرات مبسطة تسمح لك بمعرفة، دون عناء، إذا كان سيناريو معين يقترب من الحدوث أم لا.
 
 

  • أحمد محمد العمر

شارك المنشور

مقالات ذات صلة

Scroll to Top